إن ما وصلت إليه الدراسات من نظريات وقواعد محددة وطرائق خاصة لفهم الأدب ونقده تعتبر مناهج وتيارات مستحدثة مستمدة من الفكر الغربي، ولم تكن لها جذور أصيلة في الثقافة العربية سوى بعض الإشارات التي لا تكفي لإضاءة الصورة الكاملة. على مستوى آخر، تبرز محاولات النقاد العرب بأهمية لافتة على صعيد التطبيق النقدي، حيث جاء كتاب "المسرح العربي: ريادة وتأسيس" ليقدم استشهادات بنصوص تؤكد البعد العالمي في النقد، مع تزايد الكثافة والتنظيم والدقة في تناول الظاهرة، والاهتمام بالتمذهب النقدي والمنهجية الصارمة التي تفتح آفاقًا جديدة على معطيات الواقع عبر مفاهيم حددتها المادية الجدلية في جوهر الدراسات النقدية. فالمنهج النقدي الجدلي يسعى أولاً لكشف العلاقة الجدلية بين الأدب والواقع الطبقي، وثانيًا لتحليل الأبنية الشكلية وآليات هذه العلاقة المضمونية-التشكيلية في تجلياتها وسياقاتها المختلفة، التي تتفاعل جدليًا بين المنهج الشكلاني والمنهج الواقعي الجدلي كما يتجسد في مشروع (غولدمان ولوكاش) المبني على البنية الاجتماعية والتاريخية.<br />وفي كتابه "المسرح العربي: ريادة وتأسيس"، يسير الناقد الدكتور جميل نصيف التكريتي ضمن إطار البنيوية التكوينية، التي تركز على خصائص المادة الأولية في صيغتها التركيبية والمعمارية، المنبثقة من الوعي الطبقي في سياقاته الاجتماعية والتاريخية. كما يسلط الضوء على تحول هذا الوعي إلى رؤية للعالم من خلال نتاجات الأدب. لا يخلو الكتاب من بعض الصرامة الإيديولوجية التي تتعامل مع الظواهر وفق رؤية ثنائية، وهي رؤية ثورية تؤمن بالتغيير الجذري للبنيات والمفاهيم.<br />وقد اهتم التكريتي بجوهر البنيوية التكوينية التي صاغها (جورج لوكاش) و(غولوسيان غولدمان) دون أن يصرح بتبني أو تطبيق هذه البنيوية بشكل صريح. إذ استلهم الناقد خصائص هذه البنيوية، فجاءت البنية عنده كما هي في الأصل من المجال المعماري، حيث تعني البناء والتشييد. وعليه، أصبحت البنية تعني الكيفية التي تنتظم بها عناصر مجموعة ما، بحيث تكون تلك العناصر مترابطة فيما بينها، وتتكامل كل منها مع الآخر، ويتم تحديد معنى كل عنصر من خلال علاقته بالعناصر الأخرى. فالبنية في المسرحية هي مجموع العلاقات الداخلية الثابتة التي تميز مجموعة معينة، ويكون هناك ترتيب منطقي للكل على الأجزاء، بحيث لا يُفهم أي عنصر في البنية إلا في سياقه داخل المجموعة.<br />كما قام التكريتي بتحليل بنية المضمون في مسرحية "البخيل" من خلال إدراك الموضوع الكلي للعمل المسرحي، مبينًا أن حدود البنية المضمونية تتموضع في الإدراك الفني للعمل المسرحي، وكذلك في إدراك العوامل البيئية التي تؤثر في بناء عناصر العمل المسرحي. العوامل المؤثرة في الإدراك هي القيم المنظمة للوحدة الثقافية في أي مرحلة زمنية، والمرتبطة بالواقع الاجتماعي المدرك فنيًا، كما وصفه في مسرحية "البخيل". هذه البنية المضمونية التي شكلها النص المسرحي ترتقي إلى فهم كامل للتكنيك المسرحي بكل خصائصه البنيوية، لأن أي تهميش لأحد عناصر البناء المسرحي يؤدي إلى خلل في التركيبة المسرحية المضمونية-الفنية والقيمية.<br />لقد تجسدت الظاهرة الرائدة في مسرحية "البخيل" لمارون النقاش، حيث فرض الواقع شروطه على الكتابات المسرحية، وظهرت تأثيراته في جدلية سلوك الشخصيات المسرحية من حيث التمثيل والحوار. هذه الجدلية المسرحية ترتبط بالنص الذي يمثل معادلة حضارية تعكس خصائص التركيبة المسرحية كظاهرة مرتبطة بشروطها الاجتماعية والتاريخية.<br />إن مسرح النقاش، بوصفه وحدة ثقافية حضارية، يتميز في تركيبته عن الوحدات الثقافية الأخرى على المستويين العام والخاص. فهو بيئة ثقافية تختلف عن الأنساق الأدبية العربية من حيث خصوصيته، وتختلف كبنية تركيبية على المستوى العام عن مسرحيات مثل "البخيل" لمولير و"بلاوتوس". وقد تكون أقرب إلى مسرحية "تاجر البندقية" لشكسبير، كما أشار الناقد التكريتي، حيث قال: "صحيح أن هناك تفاصيل متشابهة بين النقاش ومولير وبلاوتوس فيما يتعلق بالكشف عن الأخلاقية السوداء، إلا أن هناك اختلافات جوهرية في البناء والحلول والخط العاطفي والفكري الذي تجسده كل مسرحية، مما يجعل مسرحية "البخيل" للنقاش أقرب إلى "تاجر البندقية" لشكسبير".<br />إن هذه المسرحيات، بما فيها مسرحيات النقاش، تمثل نسيجًا من العلاقات المجتمعية التي تعتمد على الهياكل الاجتماعية كأداة تعبيرية. فالظاهرة المسرحية لا يمكن فهمها إلا في إطار الهياكل الاجتماعية والفكرية التي تولدها.<br />وقد استمد الناقد هذا المدرك الواقعي ليشكل بنية المضمون الفنية. فالمقارنة بين المسرحيات جاءت لتؤكد أهمية الوحدات الثقافية وتأثيراتها على الظاهرة المسرحية، ورسم جماليات حركة الشخصيات وإيماءاتها. هنا، تصبح الحركة المسرحية في النص أو على خشبة المسرح تجسيدًا فنيًا شكليًا، يعبر عن بنية المضمون.<br />وفي تحليل بنية مضمون مسرحية "البخيل"، أشار الناقد إلى أن العمل المسرحي المدرك فنياً وبيئياً يرتبط بواقع إبداعي يفرض استقلاليته العربية، ويعتمد على البنية الاجتماعية والتاريخية، مما يجعل المادة الأولية للمسرحية تتلازم في خصوصيتها مع بناء العوامل الفنية. وتعد الهوية التشخيصية للطابع القيمي في معطيات "البخيل" في إدراك الواقع موضوعًا سوسيولوجيًا يشكل بنية المضمون، ويتجه نحو صياغة الشكل المسرحي، الذي حول حركة الشخصيات إلى قيمة فنية مغايرة لحركة شخصيات مسرحية "البخيل" لمولير، مبرزًا خصوصية الواقع المتأثر بيئيًا واجتماعيًا وتاريخيًا.<br />إن مضمون مسرحية "البخيل" هو بنية تأسيسية تكاملت مع معطياتها الواقعية حول موضوع البخل، وحقق المضمون وظائفه الأساسية في شكل العمل المسرحي، بوصفه موضوعًا للإدراك وسلوك الشخصيات عند مارون النقاش. الشكل المسرحي الذي رسمه النقاش يعد تعبيرًا فنيًا للموقف الجوهري من البخل، وهو الإدراك اللازم لخصائص السلوك العربي، كما عبر عنه الناقد في حديثه عن المسرحية من خلال حركة الشخصيات، والحوار، وبنيتها. فـ"البناء الفني لأي عمل مسرحي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بشكل العمل الفني نفسه، بل هو الشكل بعينه. والشكل بدوره يرتبط عضويًا بمضمون العمل الفني ارتباطًا يجعل من المتعذر الفصل بينهما."<br />وقد اعتمد الناقد الدكتور جميل نصيف على هذا المرتكز في مخالفته لرأي الدكتور (نجم) حول المسرحية. إذ رأى الدكتور نجم أن النقاش كان بإمكانه اختصار المسرحية إلى ثلاثة فصول فقط، حيث اعتبر أن الموضوع يمكن أن يُختتم في الفصول الثلاثة الأولى. كما اعتقد نجم أن مسرحية "البخيل" تدور حول موضوع الزواج بمستوييه: المرفوض والمرغوب، وأن بقية الفصول هي مجرد سخرية من البخيل.<br />لكن الدكتور جميل نصيف التكريتي يرى أن مضمون المسرحية يتجاوز هذا الفهم الضيق. فالفصول التي تجاوزت هذا الموضوع كرست للمحتوى الفكري والنفسي للمسرحية، محققة خصائصها الفكرية والنفسية من خلال السياق الذي يتماشى مع شكل المسرحية ومؤشرات بنائها. العمل الفني، حسب رأيه، هو كائن موضوعي قائم بذاته يستند إلى خصائصه البيئية والفكرية في زمن نشوئه، ويعتمد على تركيبته الحضارية-السوسيولوجية التي أثرت في صياغة المضمون.<br />المقال يحقق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة "التعليم الجيد"، حيث يساهم في:<br /><br />تعزيز البحث الأكاديمي والنقد الأدبي من خلال تحليل البنية المضمونية للنقد المسرحي العراقي وربطها بالنظريات النقدية العالمية.<br />تطوير الفهم النقدي للمسرح العربي، مما يساعد الطلاب والباحثين على استيعاب تاريخ المسرح وأهميته الثقافية والاجتماعية.<br />دعم التعليم العالي عبر تقديم دراسات معمقة تسهم في تطوير المناهج الدراسية للنقد الأدبي والمسرحي.<br />بالإضافة إلى ذلك، يلمس المقال الهدف "الـ 11: مدن ومجتمعات محلية مستدامة"، حيث يناقش المسرح كجزء من النسيج الثقافي والاجتماعي الذي يعكس القضايا المجتمعية ويعزز الوعي الثقافي.<br /><br />جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق