يؤكد الناقد الدكتور جميل نصيف التكريتي في خطابه النقدي بعنوان "المسرح ريادة وتأسيس" على أهمية البنية كعنصر أساسي في تشكيل المسرح، إذ يراها ظاهرة كاملة غير مجزوءة، مشروطة بالعوامل التاريخية للحضارة الاجتماعية. ويعتبر أن المسرح هو نتيجة طبيعية لتطور الوعي البشري عبر المراحل المختلفة. ويشير إلى أن المقومات التي نشأت منها الأدب الدرامي اليوناني كانت نتيجة للتغيرات النوعية التي طرأت على الأنشطة الشعبية الاحتفالية والطقسية، التي تطورت لتنتقل بالجماعات البدائية إلى مراحل اجتماعية أعلى تفرز عوامل الصراع. ويعتبر الصراع الاجتماعي عنصراً أساسياً في وجود النص الدرامي، إذ يشكل الهيكل السوسيو ثقافي للمسرحية. وبذلك، يختلف النقد المسرحي الحديث عن النقد العربي التقليدي الذي كان يعتمد على الانطباعية والعاطفية، ويسعى إلى تقديم دراسة علمية تربط المسرح بالبيئة الحضارية والاجتماعية.<br />يؤكد الناقد أن المجتمع اليوناني في مراحله البدائية خلّد حضارته عبر فن الملحمة، وفي مرحلة لاحقة، بعد هزيمة الغزو الفارسي في القرن الخامس قبل الميلاد، تغيرت نظرة الفرد اليوناني إلى الحياة والكون، فخلّد تجربته بواسطة الدراما. وقد وقف الناقد عند الصراع كقانون عام وأساسي في وجود الدراما، مشيراً إلى أن هناك عوامل ثانوية مثل العقلية والدين والعادات والموروثات الثقافية التي تؤثر في تطور المسرح.<br />ويوضح الدكتور التكريتي أن هناك نقصًا في اهتمام النقاد المسرحيين العرب بعلاقة المسرح بعلم الاجتماع الثقافي، وهو ما يقتضي دراسة مختلف مدارس علم الاجتماع الثقافي لفهم العوامل الاجتماعية العربية في تلك الفترة. كما يشير إلى أن تحليل الظواهر الاجتماعية يجب أن يستند إلى مقولات علم الاجتماع الثقافي لتفسير الديناميات الداخلية للمسرح.<br />ويعرض الناقد التكريتي وجهة نظره حول انقسام الباحثين العرب والمستشرقين في فهمهم للمسرح العربي قبل منتصف القرن التاسع عشر، حيث قسم النشاط المسرحي إلى مستويين: الأول، الأنشطة شبه المسرحية التي تعكس تدني الوعي الاجتماعي، والثاني، الذي يتمثل في أرقى وأعقد أشكال الوعي الاجتماعي، الذي شهد ظهور النص الدرامي. ويؤكد أن الدراما هي تأكيد لصراع اجتماعي بين الأفراد أو الجماعات. كما يذكر بعض الفئات التي تخالف هذا الرأي وتبالغ في الخلط بين المفاهيم المسرحية والمصطلحات، مما أدى إلى الادعاء بأن المسرح هو في الأصل نشاط عربي تأثر به الغرب.<br />قال الناقد الدكتور جميل نصيف التكريتي عن الفئتين المختلفتين في فهم المسرح العربي: "إحدى الفئات تدعي عدم معرفة العرب بالمسرح الفني قبل منتصف القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي شهدت بداية ما يُسمى بعصر النهضة العربية الحديثة، وتُحاول هذه الفئة تفسير الظاهرة من خلال الربط بين المسرح الفني وأدب الدراما، وقد اتبعت هذه الفئة عدة مسارات في محاولة فهم هذه الظاهرة. أما الفئة الأخرى، فقد اختلطت لديها المفاهيم المسرحية والمصطلحات بشكل غريب، مما أدى إلى ضياع الحدود الفاصلة بين النشاطات شبه المسرحية والمسرح الفني الدرامي، وقد دفع هذا الخلط البعض إلى الادعاء بأن النشاط المسرحي هو أصلًا عربي وقد أخذته أوروبا عنا وطبعته بطابعها". وقد أضاف التكريتي أن بعض النقاد وقعوا في هذا الخلط، مما أدى إلى تدمير الحدود بين الأعمال المسرحية والشبه مسرحية، حيث كانت أعمالهم تفتقر إلى المنهج النقدي الموضوعي، وتتم وفقًا لأغراض ذاتية وانطباعية مسبقة، مما يُؤدي إلى الاستخفاف بجهود الرواد المبدعين أو التشويه المتعمد للنصوص بما يتناسب مع آراء سابقة دون دراسة أو تمحيص.<br />وأشار الناقد إلى أن هناك العديد من الدراسات التي لم تتطرق حتى إلى بنية "الصراع"، مثل دراسات "الدكتور طه حسين والدكتور لويس عوض والدكتورة سهير القلماوي والأديب أحمد حسن الزيات وأمين الخولي وغيرهم". وأضاف أن زكي طليمات وحده، بالإضافة إلى الدكتور عز الدين إسماعيل، قد اقتربا من هذا الموضوع المهم. واعتبر التكريتي أن الصراع هو البنية الأولى في دراسة الأعمال المسرحية، ولم يتعرض للنقد سوى البنيات المعروفة للأعمال شبه المسرحية، مما يوضح تركيز التحليل على البنية الفنية، كاستجابة لعلاقات حضارية واشتراطات تكوينية تستجيب لتأثير البيئة وتفاعلاتها مع الوعي الاجتماعي.<br />كما شدد الناقد على ضرورة تناول الأعمال المسرحية الإبداعية وفقًا للظروف التاريخية والاجتماعية، كون كل ظاهرة داخل هذه البنيات تحمل دلالة خاصة تُساهم في فهم السوسيولوجيا الأدبية. ولفت إلى أن فهم العلاقات الداخلية بين أجزاء العمل الأدبي وعناصره المختلفة يساعد في تحديد وحدة العمل ودلالاته الموضوعية، مؤكداً أن هذه العلاقات الدرامية تجسد الصراع الاجتماعي والديني والعقائدي والذاتي المكتسب عبر التاريخ. وأوضح التكريتي أن تطور الحياة العربية كان من المفترض أن يؤدي إلى قيام العلاقة الدرامية على المستوى الاجتماعي، مما كان يجب أن يعكسه الأدب.<br />وأشار الناقد إلى أن الباحثين العرب قد أغفلوا الجانب التاريخي عند مناقشتهم لظاهرة غياب الدراما في الحياة العربية القديمة، وهذا النقص في الفهم التاريخي أدى إلى الافتراضات الخاطئة حول ظهور الحركة المسرحية، وأدى إلى التخبط في البحث عن أسباب عدم معرفة العرب للمسرح.<br />إن المنهج النقدي الذي اعتمد لتحليل الظاهرة المسرحية اتخذ منهجية خاصة تركز على دمج اختيارين متناقضين من الناحية الإبستمولوجية – المعرفية، ولكنهما متكاملين في الوقت ذاته، وهما البعدين التاريخي والاجتماعي. تم التركيز على التنامي التاريخي والجدلية الحضارية المصاحبة لظهور الأجناس الأدبية في الأدب العربي، بالإضافة إلى البحث عن الأدلة القوية لظهور الفن المسرحي. كما تم التعامل مع الظاهرة المسرحية باعتبارها بنية سوسيو-ثقافية تعكس منطق الرؤية الحضارية للعرب. لم تكن هذه المنهجية اعتباطية أو تخبطاً يفتقر إلى الأسس العلمية كما في منهج بعض النقاد العرب، بل كانت متجذرة في إشكالية التحليل السوسيولوجي التي حددها (غولدمان) في كتابه "الإله المخفي"، حيث ركز على بعدين متكاملين: السوسيولوجي، الذي يتناول الهياكل الاجتماعية في التعبير الثقافي والتاريخي، باعتبارهما منطقا ديناميكياً وتجاوزياً يعبران عن الصراع أو التنامي.<br />وقد أدى افتقار بعض الباحثين العرب إلى الحس التاريخي إلى تحويل الحديث عن التحول النوعي للفنون التي أسهمت في تشكيل المسرح إلى محاولات أقرب إلى التخمين منها إلى يقين مدعوم بالأدلة والبراهين. ومن أجل مناقشة ظاهرة غياب الدراما عند العرب، لا بد من ربطها ارتباطاً وثيقاً بالشحنة الأيديولوجية في ذهنية العرب، باعتبارها موقفاً ثقافياً ناتجاً عن ظروف بيئية اعتقادية وحسية تجنبت الصراع.<br />ولما كان الإبداع الثقافي لا يمكن أن يتم من دون الأخذ بعين الاعتبار السياقات التاريخية والاجتماعية التي شكلت تلك الظواهر، فإنه لا يمكن مناقشة العوامل التي أنشأت الدراما عند العرب على غرار مناقشة العوامل التي أنشأت الدراما لدى الإغريق في أواخر القرن السادس وأوائل القرن الخامس قبل الميلاد، حيث جسدت هذه الفترة ظهور أشكال وعي اجتماعي متقدم ومعقد، تحقق بفضل التحولات النوعية التي طرأت على الأنشطة الشعبية من طقوس واحتفالات تتجاوز الحياة الاجتماعية إلى مرحلة أعلى تميزت بعوامل الصراع، الذي يُعد القانون العام والأساسي للمسرح، ويُعتبر مؤشراً اجتماعياً واضحاً يرتبط بالاستقرار والتخصص كشرطين تاريخيين واجتماعيين أساسيين.<br /><br />المقال يعزز الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة (التعليم الجيد) من خلال تقديم تحليل نقدي أكاديمي حول المسرح العربي وربطه بالسياقات التاريخية والاجتماعية، مما يساهم في تطوير البحث العلمي والفكر النقدي في مجال الفنون والثقافة. كما يشجع على دراسة العلاقات الثقافية والاجتماعية في المسرح، مما يعزز الوعي المعرفي لدى الباحثين والنقاد والطلاب.<br /><br />جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق <br />