ابتعد العديد من الفنانين عن الانخراط في الجوانب السياسية ومهاتراتها المختلفة، بهدف تعزيز الواقع الفني في العراق. وقد يرجع ذلك إلى رفضهم الخوض في الخلافات التي لا تضع الجانب الإنساني في المقام الأول. من بين هؤلاء الفنانين، ظهرت جماعة تُدعى "جماعة بغداد للفن الحديث"، التي تأسست عام 1951 بقيادة الفنان جواد سليم. وقد تميزت هذه الجماعة بموقفها البعيد عن السياسة، حيث اختارت أن تعبر عن نفسها بلغة الفن دون الانزلاق في دوامة الصراعات السياسية.<br />وُلِد جواد محمد سليم في أنقرة عام 1920 لأبوين عراقيين، وكان والده قد تعلم الرسم كجزء من دراسته العسكرية كضابط في الجيش العثماني، مما ترك تأثيرًا كبيرًا على حياة الأبناء. كان للفنان جواد سليم وأخته شغف مبكر بالفن، فقد سبقت سعاد أخاها جواد في حب الرسم، ومن ثم انضمت إليهما نزيهة. أما الابن الأصغر نزار، فقد أصبح هو الآخر رسامًا. في طفولته، كان جواد مولعًا بصنع الدمى الطينية، وهو ما كشف عن موهبة فنية مبكرة أهلته للفوز بجائزة في أول معرض للفنون التشكيلية الذي أُقيم في بغداد عام 1931 وكان عمره آنذاك 11 عامًا.<br />بعد إنهاء دراسته الثانوية، حصل جواد على منحة دراسية لدراسة النحت في باريس بين عامي 1938 و1939، ثم انتقل إلى روما للغرض ذاته. عاد بعدها إلى بغداد حيث أسس فرع النحت في معهد الفنون الجميلة، وكان زميله فائق حسن قد سبقه في تأسيس فرع الرسم في المعهد. في تلك الفترة، تعرف جواد على فتاة إنجليزية تدعى لورنا، التي رافقته إلى بغداد.<br />بين عامي 1946 و1949، درس سليم الفن في لندن، وهناك انضم إلى حركة الفن الحداثي، حيث أصبح أحد نجومها البارزين وداعيًا لتطوير الفن الحديث. في عام 1951، أسس جواد سليم "جماعة بغداد للفن الحديث"، وكتب البيان الأول لها الفنان شاكر حسن آل سعيد، الذي قرأه سليم. من خلال هذا البيان، طرح مفهومي التراث والمعاصرة، وكان هذا بمثابة نقطة انطلاق للحداثة الفنية في العراق. امتزجت تجربته الفنية بتأثيرات الفنانين الكبار مثل يحيى الواسطي، بالإضافة إلى تأثره بالفنان بيكاسو، وتُوِّج هذا بإنجازات كبيرة.<br />وفي عام 1959، تم تكليف سليم بتنفيذ نصب لتخليد الثورة التي أسقطت النظام الملكي في العراق. لكن نصب سليم لم يكن مجرد تكريم سياسي؛ فقد كان له طابع فني مقاوم يعكس روح التحدي أمام التغيرات السياسية المستمرة في العراق. وعلى الرغم من محاولات إزالة (نصب الحرية) على مر السنين، إلا أنه ظل يحتفظ بمكانته في الذاكرة الشعبية، حتى بعد وفاته في عام 1961 إثر معاناته الصحية أثناء إنجازه العمل. أصبح هذا النصب بمثابة وصيته التاريخية، ورمزًا للفن العراقي المعاصر.<br />بالرغم من مرور أكثر من خمسين عامًا على رحيله، لا تزال أعمال جواد سليم، سواء كانت رسومًا أو منحوتات، تحتفظ بقوتها وجاذبيتها. فهو قد فتح من خلال أعماله آفاقًا جديدة للفن التشكيلي في العراق، وأسهم بشكل كبير في تحولات الفن الحديث على مستوى العالم.<br />منذ بداية مسيرته الفنية، ركز جواد سليم في أعماله على الأشكال الواقعية، مع الاستفادة من الرمزية لخدمة فكرة العمل الفني. وكان يستخدم خياله بشكل مبتكر لإضفاء طابع فني خاص على الأشكال الواقعية التي استلهمها من التراث، محاولًا تحويلها إلى شكل حداثي يحمل بصمته الشخصية. لم يُخِل جواد سليم بمخيلته التي تأثرت بالصور المستمدة من آثار الماضي، فكان دائمًا يستلهم وحداته الفنية من الآثار السومرية والآشورية، بالإضافة إلى الفن العالمي، وتجربته الذاتية في البحث والتمثيل والتكييف والإبداع.<br />أسلوب جواد سليم كان متميزًا بتركيزه المستمر على التراث كجزء من هويته الشخصية، مما جعل أعماله تعكس البيئة الثقافية السائدة وتبحث عن التجارب الذاتية. كما أكد على توازن الألوان والشكل الظاهر، ما يدعو إلى تأمل فكري وروحي في التوازن بين المفهوم الغربي للظاهرة البصرية والتراث الذي يمثل هوية الفنان وخصوصيته. لكل فنان هدف أساسي في تحويل العناصر الفنية إلى تعبيرات متناسقة وواضحة، حيث تتيح المادة الفنية نقل رسالة رمزية أو معنوية.<br />ما يميز أسلوب جواد سليم بشكل خاص هو قدرته على مزج الإرث الثقافي لبيئته مع الثقافات الحديثة، مما جعله يعرض قيمًا جمالية وفنية رائعة بأسلوب متوازن وعصري. فبفضل هذا التوازن الثقافي والإنساني، استطاع أن يعكس حضارته بطريقة تواكب الحضارة العالمية. أسلوبه في جميع أعماله كان له تأثير كبير في مختلف الاتجاهات الفنية العربية، وبخاصة في العراق، حيث حملت أعماله التراث العراقي الأصيل بتقنيات حداثية مميزة.<br />لم يكن جواد سليم يعبر عن نفسه بأسلوب تعبير مباشر، بل كان يعارض فكرة تطابق الشكل مع المضمون، وكان يسعى لتطوير الرؤية الإنسانية من خلال الوسائل الفنية التي استخدمها. كانت رسوماته تعبيرًا عن بحث ودراسة مستمرة، تهدف إلى الوصول إلى أعمق الوسائل في تجسيد رؤيته الإنسانية.<br /><br />هدف التنمية المستدامة المرتبط بأعمال جواد سليم هو الهدف رقم 11: "مدن ومجتمعات مستدامة"، حيث تسهم أعماله الفنية في الحفاظ على الإرث الثقافي وإثراء الفنون البصرية كمصدر للهوية والابتكار.<br /><br />جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق