يعتبر الحفاظ على التراث الفني من أهم القضايا التي تواجه المجتمعات الحديثة، خاصة في ظل تزايد العوامل البيئية والزمنية التي تهدد هذه الأعمال بالإتلاف والاندثار. يشكل الذكاء الاصطناعي ثورة في مجال الحفاظ على هذا التراث الثقافي، حيث يفتح آفاقًا جديدة للتعامل مع التحديات المعقدة التي تواجه هذه المهمة.<br /><br />أحد أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في هذا المجال هو الترميم الرقمي للأعمال الفنية. باستخدام خوارزميات التعلم الآلي، يمكن معالجة الصور التالفة، سواء كانت لوحات فنية أو منحوتات، حيث تساعد هذه الخوارزميات على إصلاح الأضرار الناتجة عن الزمن أو الحروب أو الكوارث الطبيعية. على سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي إعادة بناء الأجزاء المفقودة من اللوحات، مما يعيد الحياة للأعمال الفنية التي كانت في السابق شبه مستحيلة لاستعادتها.<br /><br />إضافة إلى الترميم، يمكن للذكاء الاصطناعي أيضًا أن يساهم في رقمنة الأعمال الفنية. من خلال تقنيات المسح الضوئي عالية الدقة، يمكن تحويل الأعمال الفنية إلى نسخ رقمية يمكن تخزينها وعرضها بسهولة عبر منصات الإنترنت. هذه الرقمنة لا تساهم فقط في الحفاظ على الأعمال الفنية، بل تجعلها متاحة لعامة الناس في أي مكان وزمان، مما يعزز الوصول إليها وتقدير قيمتها الثقافية.<br /><br />وفيما يخص التحليل العلمي للأعمال الفنية، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لفحص المواد المستخدمة في إنشاء اللوحات أو المنحوتات. تقوم الخوارزميات بتحليل الأصباغ والمواد، ما يساعد على اكتشاف أي أعمال مزورة أو غير أصلية. من خلال هذه التحليلات، يمكن التأكد من صحة العمل الفني والحفاظ على أصالته، مما يحمي التراث الثقافي من التزوير الذي قد يؤدي إلى فقدان قيمته التاريخية والفنية.<br /><br />أحد أبرز المشاريع التي تمثل تطبيقات الذكاء الاصطناعي في هذا المجال هو مشروع "ديب ريميستر" (Deep Remaster). يستخدم هذا المشروع تقنيات الذكاء الاصطناعي لاستعادة الألوان والتفاصيل المفقودة في اللوحات التاريخية، حيث يساعد على إحياء الأعمال الفنية التي فقدت تفاصيلها نتيجة للزمن أو الظروف البيئية. من خلال هذا المشروع، يمكن للباحثين والفنانين إعادة إحياء الروح الأصلية للأعمال الفنية، مما يساهم في نشر الثقافة وتعزيز الفهم العميق للتاريخ الفني.<br /><br />هذه المبادرات تساهم بشكل مباشر في تحقيق الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة، الذي يركز على "مدن ومجتمعات مستدامة". من خلال الحفاظ على التراث الثقافي وضمان استدامته، يساهم الذكاء الاصطناعي في ضمان أن تظل الأعمال الفنية جزءًا حيًا من ثقافتنا، ويمكن للأجيال القادمة التمتع بها والتعلم منها.<br /><br />بالرغم من التقدم الكبير في هذا المجال، إلا أن هناك تحديات كبيرة يجب مواجهتها. أحد أكبر التحديات هو الحاجة إلى بيانات ضخمة ومتنوعة لتدريب الخوارزميات. لا يمكن للذكاء الاصطناعي العمل بشكل فعال دون قاعدة بيانات غنية تشمل صورًا لأعمال فنية قديمة ومتنوعة. إضافة إلى ذلك، فإن التكاليف المرتفعة لهذه المشاريع، خاصة عندما تتطلب تقنيات متطورة مثل المسح الضوئي ثلاثي الأبعاد أو التحليل الكيميائي، تشكل عائقًا أمام تنفيذ بعض المشاريع في أماكن ذات موارد محدودة.<br /><br />ومع ذلك، يبقى الذكاء الاصطناعي أداة واعدة لتحسين طرق الحفاظ على التراث الفني. يمكن أن يوفر طرقًا مبتكرة وفعالة لحمايته من الضياع، ويضمن استدامته عبر الأجيال. كما أن التكنولوجيا في تطور مستمر، مما يعزز الأمل في أن تصبح هذه الأدوات أكثر تكاملًا وفعالية في المستقبل، وبالتالي تساهم في حفظ الفنون لأجيال المستقبل.<br /><br />جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق