حادثة الاغتيال التي تعرض لها أمام المتقين علي بن أبي طالب (ع) <br />(دراسة علمية في مجالي الجراحة العصبية والطبّ العدلي)<br /> عرض وتقديم<br />الاستاذ الدكتور فاضل جواد آل طعمة<br />قسم تقنيات المختبرات الطبية – كلية التقنيات الصحية والطبية – جامعة المستقبل – العراق.<br />والاستاذ المتمرس في كلية الطب – جامعة كربلاء.<br /> تعتبر حادثة الاغتيال التي تعرض لها امام المتقين علي بن أبي طالب (ع) من أهم الأحداث في التاريخ الاسلامي. فكما ورد في واقعة غدير خم بعد حجة الوداع سنة 10 هجــ أو حجة البلاغ أن جبرئيل (ع) قد نزل أثناء عودة الحجيج وأخبر النبي (ص) بالأمر الالهي (آية التبليغ: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين- المائدة 67) التي تقضي بتنصيب علي (ع) اماما للمسلمين ووصيا للنبي (ص) فاستجاب النبي للأمر الالهي وأعلم جميع الحجيج بما نزل به جبرئيل (ع) وتم أخذ البيعة لعلي (ع) في ذلك اليوم العظيم الذي سمي بيوم البيعة أو يوم غدير خم أو يوم الغدير الذي يهتم به المسلمين الموالين لعليا (ع) أهمية كبيرة وقد ثبت التاريخ الاسلامي وأهل السير والرواة وكتاب التأريخ والادباء والشعراء من كافة المذاهب الاسلامية مئات المواقف البطولية والمهمة لهذه الشخصية البارزة حيث كان الامام علي (ع) قمة في كل مرحلة من مراحل حياته, منذ ولادته في الكعبة الشريفة بعد ثلاثين عاما من واقعة الفيل وحتى حادثة الاغتيال ليلة التاسع عشر من شهر رمصان في مسجد الكوفة بسيف مسموم مطلي بالسم والتي أدت ثم وفاته (ع) عام 40 هجــ. فعلي (ع)عاش بين مسجدين بالبداية والنهاية (ولدت ببيت الله ... وقلبك بيته .... وأنت وليد البيت ... فافخر على الدهر) لذلك كان قمة في خلقه وايمانه وشجاعته وعدله الاجتماعي وتواضعه وزهده وورعه وتقواه واخلاصه لله سبحانه وتعالى وخوفه منه وهو (ع) قمة في التضحية والعطاء والكرم والسخاء وقمة في اسلامه فهو أول من أسلم وهو صبي فهو (ع) مجموعة من القمم كما قال صفي الدين الحلي (جُمِعَت في صِفاتِكَ الأَضداد .....فلِهَذا عَزَّت لَكَ الأَندادُ / زاهِدٌ حاكِمٌ حَليمٌ شُجاعٌ ...... ناسِكٌ فاتِكٌ فَقيرٌ جَوادُ / شِيَمٌ ما جُمِعنَ في بَشَرٍ قَط ...... وَلا حازَ مِثلَهُنَّ العِبادُ / خُلُقٌ يُخجِلُ النَسيمَ مِنَ العَطفِ .......... وَبَأسٌ يَذوبُ مِنهُ الجَمادُ). وعلي (ع) باب علم رسول الله (ص) حيث اشتهر (ع) بالأنزع البطين لأنه امتلا علما فأظهر البعض منه وأبطن البعض الآخر حيث حوى العلوم عن النبي (ص) وراثة فهو البطين لكل علم مودع (وفارس مضمار البيان بنهجه .... تلاقى البيان الجزل والفكر الغر / تزود منه كل عصر كما اشتهى .... ومازال للدنيا بمزوده ذخر) , وكان (ع) قمة في بطولاته فقد شهد واشترك في 83 واقعة ومعركة وغزوة عدا تبوك فهو من دافع عن الاسلام والمسلمين ونازع صناديد الشرك وقتل المشركين وناوش أبطالهم وهزم ذؤبانهم ونازع اليهود وقضى على أبطالهم وتشهد بذلك واقعة الخندق اذ أن النبي (ص) قال بأن ضربة علي (ع) يوم الخندق عندما نازع عمرو بن عبد ود العامري بأنها (تعدل عبادة الثقلين) حيث قلع باب خيبر ورفعها على يديه بعد أن عجز عن تحريكها ثمانية من شجعان المسلمين (وعلى خندق اليهود مددت الباب ........ من فوق كفك البحر جسرا) وبقي يدافع عن المسلمين حتى جاءت اليه الخلافة في ظروف صعبة وتحديات كبيرة واستطاع أن يدير الحكم والدولة بحكمة وعدالة وأن يحافظ على وحدة المسلمين وأن يدافع عن الحق والعدل في كل المواقف ولم يتراجع عن مبادئه وقيمه عندما جاءت اليه الخلافة وظل ملتزما بمسؤولياته تجاه الامة والاسلام والمسلمين لذلك يعتبر علي بن أبي طالب (ع) مجموعة من القمم على مر التأريخ ومن أشجع وأعظم الشخصيات في تأريخ الاسلام. <br />ولذلك كان يزداد بغض الكفّار والحاقدين على عليّ (ع) اهتمامهم وهمّهم على قتله يوماً بعد يوم وكلّما يتجدّد للنبيّ غزو ولعليّ نكاية في الكفّار كان يزداد حقدهم وهمّهم في اغتيال عليّ (ع) والفتك به. فكانوا مراقبين لعليّ من الداخل والخارج وكان الأمر على هذا المنهاج الى أن وصل الحكم اليه بعد انقضاء أيّام الخلفاء ومبايعة النّاس لأمير المؤمنين (ع) على الخلافة قد أضاء الصبح لكلّ ذي عين بأنّ كثيراً من المسلمين قد مكروا به و عزموا على قتله فجمعوا الحشود وأعدّوا لقتله العدّة والعدّد بعد مابايعوه طوعاً ورغبةً وهؤلاء هم الناكثون الذين نقضوا البيعة لعلي (ع) وما لحقها من واقعة الجمل والمارقون الخوارج الذين خرجوا عن طاعة الامام (ع) بعد معركة صفين ورفع المصاحف والتحكيم وأكثرهم من قراء القرآن ولكن لم يكونوا على بصيرة في علم القرآن وخرجوا على عليا بعد ليلة الهرير ودعوه الى تحكيم القرآن والجلوس مع معاوية وهددوه بالقتل أو تسليمه الى معاوية عند رفضه ذلك. ثمّ تلاهم القاسطون وهم معاوية وأهل الشام ومن شايعهم على قتال عليّ .<br />وكانت آخر واقعة خاضها الإمام علي (ع) هي معركة النهروان، حيث جابه فيها مجموعة من أنصاره الذين فرضوا التحكيم عليه في حرب صفين ، لكنهم ندموا بعدة أيام ، فنكثوا عهدهم وخرجوا من بيعة الإمام (ع) وقد عُرفوا فيما بعد باسم الخوارج أو المارقين فانتصر عليهم الإمام (ع) وتم القضاء على رؤوس الخوارج وخمدت شوكتهم فعندئذ غيّر الباقون من الخوارج ومن على نزعتهم مجرى المناوئة وعزموا على الفتك والاغتيال.<br /> وكان الامام (ع) يتهيأ لقتال المتمردين في الشام – لولا مؤامرة ابن ملجم المرادي على اغتياله في صبيحة يوم التاسع عشر من رمضان سنة أربعين للهجرة عند صلاة الفجر حيث قام بشجّ الإمام في مسجد الكوفة، وذلك بعد حوالي خمسة أعوام من الحُكم.<br /> لقد بدأت المؤامرة بانتداب ثلاثة من الخوارج وهم (عبد الرحمن بن ملجم المرادي) و(البرك بن عبد اللّه التميمي) و(عمرو بن بكير التميمي) فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلنّ هؤلاء الثلاثة: (علي بن أبي طالب – معاوية بن أبي سفيان – عمرو بن العاص). فقال عبد الرحمن بن ملجم: أنا لكم بعليّ بن أبي طالب. وقال البرك: أنا لكم بمعاوية. وقال عمرو بن بكير: أنا أكفيكم عمرو بن العاص. فتعاهدوا على ذلك وتعاقدوا وتواثقوا "على أن" لا ينكص رجل منهم عن صاحبه الذي سمّي "له" ويتوجّه إليه حتّى يقتله أو يموت دونه ثمّ توجّه كلّ رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه.<br /> فقدم عبد الرحمن بن ملجم الكوفة فلقي أصحابه من الخوارج فكاتمهم ما يريد وكان يزورهم ويزورونه. فزار يوماً نفراً من تيم الرباب فرأى امرأة منهم يقال لها: قطام بنت شجنة بن عدي بن عامر بن عوف بن ثعلبة بن سعد بن ذهل بن تيم الرباب- وكان عليّ قتل أباها وأخاها يوم النهروان، فأعجبته فخطبها فقالت: لا أتزوّجك حتّى تسمّي لي. فقال: لا تسأليني شيئاً إلاّ أعطيتك. فقالت: ثلاثة آلاف وقتل عليّ بن أبي طالب. فقال: واللّه ما جاء بي إلى هذا المصر إلاّ قتل عليّ بن أبي طالب وقد آتيناك ما سألت. ولقي عبد الرحمن بن ملجم شبيب بن بجرة الأشجعي فأعلمه ما يريد ودعاه إلى أن يكون معه، فأجابه إلى ذلك. وبات عبد الرحمن بن ملجم تلك الليلة التي عزم فيها أن يقتل علياً في صبيحتها، يناجي الأشعث بن قيس الكندي في مسجده، حتى كاد أن يطلع الفجر فقال له الأشعث: فضحك الصبح فقم، فقام عبد الرحمن بن ملجم وشبيب بن بجرة، فأخذا أسيافهما ثم جاءا حتى جلسا مقابل السدة التي يخرج منها علي (ع). وعندما نفذ ابن ملجم المرادي مؤامرته وضرب الامام (ع) على رأسه وهو في صلاته قال الامام (ع) (فزت ورب الكعبة) وروى ابن أبي الحديد أن بعد أن ضرب الإمام جمع له أطباء الكوفة، وبعد فحص أثير بن عمر جرح رأس الإمام، ورأى أن الضربة وصلت إلى أم رأسه، قال للإمام علي (ع) : اعهد عهدك (أي: أوصي وصيتك)؛ إذ لم تبق حيا كثيرا وقد دنى أجلك. قبل أن يفارق الإمام الحياة، بقي يعاني الجُرح ثلاثة أيام، وعَهِد خلالها بالإمامة إلى ولده الإمام الحسن السبط (ع) بأمر الله تعالى ليقوم بعده بمهامه في قبال الأمة.<br />وبعد هذه المقدمة البسيطة لحياة سيد البلغاء والمتحدثين الامام علي (ع) ونحن في ذكراه بشهر رمضان المبارك , لابد من التعرف على بعض الجوانب المتعلقة بآلية ما حدث من تأثير ضربة اللعين ابن ملجم المرادي بسيفه المسموم على رأس الامام (ع). وهنا لابد من الرجوع الى أهم المصادر العلمية التي تطرقت الى المتغييرات التي أعقبت هذه الضربة والتي أعدها استاذ الاساتيذ الدكتورعبد الهادي الخليلي – استاذ الجملة العصبية في كلية الطب – جامعة بغداد وزميل كلية الجراحين البريطانية في أدنبرة وكذلك زميل كلية الجراحين الاميركية ورئيس قسم الجراحة العصبية بكلية الطب جامعة بغداد 1988-2006 والملحق الثقافي في السفارة العراقية بواشنطن قبل احالته الى التقاعد حيث ذكر كثير من التفاصيل المتعلقة بآلية حدوث الوفاة لامام المتقين علي بن أبي طالب (ع) في كتابه (اصابة الامام علي (ع) ووفاته).<br />يحاول الباحث القدير في هذه الدراسة الوصول الى أسباب وفاة الامام علي بن أبي طالب (ع) بعد أن ضربه عبد الرحمن بن ملجم بسيفه المسموم وأصاب رأسه الشريف بجرح نافذ الى عمق الجمجمة وحتى الدماغ. وبعد الاصابة بيومين انتقل الامام (ع) الى بارئه لذلك لابد من التساؤل: (أين كان موضع الامام عند الاصابة؟ أين مكان الاصابة في الرأس؟ هل سببت إصابة الرأس الوفاة؟ هل تسبب السم بالوفاة؟ هل هناك احتمال آخر سبّب الوفاة؟) <br />وعند الوقوف على إصابة الرأس التي تعرض لها أمير المؤمنين بعد أنْ ضربه عبد الرحمن بن ملجم بالسيف المسموم وتفاصيل الأحداث بعد ذلك حتّى لحظة الوفاة (استشهاده) وجد أن هناك ما يستحق التأمل والتحقيق في سبب الوفاة الحقيقي من ناحية جراحة الدماغ وكذلك من الناحية الطبّية العدلية. وحسب تخصص وخبرة الاستاذ القدير وما يمكن أن تسري عليه الأحداث الصحية في مثل هكذا إصابة وما يؤول إليه حال المصاب وبما أنَّ الإصابة كانت مصحوبة بالتعرض للسُمّ فقد احتمل ذلك تشابكاً وتفاقماً لتأثيرات مزدوجة على الجسم. إن دراسة وفاة الإمام علي هذه مبنية على ما استنبط طبياً من الأخبار التي سطرها المؤرخون نقلاً عن شهود العيان ممن كانوا مع الإمام منذ لحظة إصابته وحتّى وفاته والتي جاوزت الـــ 48 ساعة.<br /> ملخص تاريخ الاصابة:<br />أصيب الامام علي بن ابي طالب (ع) بضربة نافذة على رأسه بسيف مسموم من قبل عبد الرحمن بن ملجم المرادي في صبيحة اليوم التاسع عشر من رمضان عام 40 للهجرة المصادف للعام 661 ميلادي. وبعد يومين من الاصابة توفي الامام. وعند الدراسة الأولية للإصابة من الناحيتين الجراحية الدماغية والطبية العدلية تبين أن هناك مايدعو الى التعمق في هذين المجالين لكشف بعض التفاصيل الطبية ومحاولة معرفة سبب الوفاة المباشر. وعليه فان البحث ينقسم إلى ثلاثة أقسام هي (إصابة الرأس – تأثير السم – السم - أسباب أخرى محتملة للوفاة)<br />أوّلاً: إصابة الرأس: وحسب التفاصيل الطبّية العدلية وكذلك التفاصيل الجراحية الدماغية فهناك عدة تساؤلات منها: ( أين كان موقع عبد الرحمن بن ملجم حين الضربة؟ أين كان موضع الرأس عند الضربة؟ وهل أصيب الإمام (ع) حينما كان ماشياً أو خلال الصلاة في السجود أم أثناء رفع الرأس من السجود، أم بعد أنْ أعتدل جالساً؟ حالة الوعي وهل اعتم الإمام بعمامة؟ أين كان مكان الإصابة في الرأس؟ ما هي التفاصيل الجراحية للإصابة؟<br /> لقد اتّفق العديد من المؤرخين على أن ابن ملجم وشريكه في الإصابة شبيب بن بجرة كانا بانتظار الإمام في طريقه ليدخل إلى المسجد عند صلاة الصبح وهجماً عليه فأخطأ شبيب الإصابة بينما أصاب ابن ملجم رأس الإمام. وذكر مؤرخون آخرون أنَّ الإصابة حدثت حينما كان الإمام يؤدي صلاة الصبح. ووثّق آخرون بأنَّ الإمام ركع وسجد سجدة واستوى قاعداً، وأراد أن يسجد الثانية حينها ضربه ابن ملجم أو أنَّ الإمام كان يصلي فلما رفع رأسه من سجود الركعة الثانية هجم عليه شاهراً سيفه وضربه على رأسه.<br /> إن الرواة يتفقون جميعاً بأنَّ الإصابة كانت في مقدمة الرأس. فقالوا في قرنه (القرن: الجانب الأعلى من الرأس. وقيل جاءت الضربة في جبهته وجبهته إلى قرنه. وذكر آخرون أن ابن ملجم ضربه على صلعته. وأكَّد عدد من المؤرخين إنَّها كانت في موضع ضربة عمرو بن ودّ العامري في واقعة الخندق حينما حمل العامري على الإمام وضربه على رأسه فاتّقاها بالدرقة، فقدَّها السيف ونفذ منها إلى رأسه فشجه.<br /> حينما أصيب الإمام لم يفقد الوعي حيث قال عندها: "فُزتُ وَربّ الكعبة": ومن ثمّ قال: "لا يفوتنكم الرجل": قال الإمام: عليَّ بالرجل فأُدخل عليه...، أو: احبسوا الرجل. ثمّ حُمِل إلى منزله وأتاه العوّاد فحمد الله وأثنى عليه... ثمّ قال:.......... وبعدها وعندما جُلِب ابن ملجم إليه قال له: أيه عدو الله ما حملك على هذا؟ ألم أحسن إليك؟. قال له ويحك ما حملك على ما فعلت أخا مراد أبئس الأمير كنت لك؟ يقول له النفس بالنفس. ثمّ قال الإمام: أطيبوا طعامه وألينوا فراشه فأنْ أعشْ فأنا ولي دمي إما عفوت وأما قصصت وأن مُتْ فالحقوه بي ولا تعتدوا أنَّ الله لا يحبّ المعتدين.<br />وخلال فترة إصابته دعا الحسن والحسين (ع) فقال لهما أوصيكما.......... وكان يقول لمن في المنزل: أرسلتم إلى أسيركم طعاماً؟. قلت: فهل بعد البلاء رخاء؟ فلم يجبني وأُغمي عليه، فبكت أم كلثوم، فلما أفاق قال: لا تؤذيني يا أم كلثوم، فإنَّكِ لو ترين ما أرى لم تبك. ودخل عليه الأصبغ بن نباتة فقال له أمير المؤمنين: "أما سمعت قول الحسن عن قولي؟.. وقال لي: أقعد فما أراك تسمع مني حديثاً بعد هذا... "<br />فلما حضرته الوفاة دعا عند ذلك بدواة وصحيفة وكتب وصيته فكانت وصيته: "بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به.... ولما فرغ من وصيته قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثمّ لم يتكلم إلا بـ: "لا إله إلا الله" حتّى توفى، حتّى قُبض. وكان آخر ما تكلّم به بعد أنْ أوصى الحسن بما أراد لا إله إلا الله يرددها حتّى قُبض. وقد قيل أن آخر ما تكلّم به: "فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره.<br />أثير السكوني الطبيب:<br />أجمع المؤرخون أنه جمع للإمام أطباء الكوفة، وكان فيها آنذاك ما يقرب من مائة وخمسين طبيباً، فلم يكن منهم أحد أعلم بجرحه من أثير بن عمرو بن هانئ السكوني وكان متطبباً صاحب كرسي يعالج الجراحات وكان من الأربعين غلاماً الذين كان خالد بن الوليد أصابهم في عين التمر فسباهم فلما نظر أثير إلى جرح أمير المؤمنين دعا برئة شاة حارة فاستخرج منها عرقاً وأدخله في الجرح ثمّ نفخه ثمّ استخرجه وإذا عليه بياض الدماغ فقال يا أمير المؤمنين أعهد عهدك فإنَّ عدو الله قد وصلت ضربته إلى أم رأسك فدعا علي (ع) عند ذلك بدواة وصحيفة وكتب وصيته". وقد ذكر أحد المؤرخين أنَّ السكوني جاء لعيادة الإمام في يوم الإصابة.<br />في الغالب كان العرب يعتموا بعمامة وخصوصاً أثناء الصلاة وعليه يحقّ القول بأنَّ الإمام (ع) كان يعتم بعمامة. فهل كانت العمامة على رأسه في حينه؟ وذلك هو الأرجح فإذا كان الأمر كذلك فإنَّ الضربة كانت في الموضع المكشوف من الرأس وليس من خلال العمامة. حيث لم يذكر طبيب الكوفة أثير السكوني عند الفحص أن هناك أثار دخول قطع من قماش عمامته داخل الجرح. عند الإصابة نزف جرح فروة الرأس وكان الإمام ينقل رأسه من الدم وسال الدم على لحيته ونزف وأصفر وجهه. ومنها ما روي عن عمرو بن الحمق قال: دخلت على علي (ع) حين ضرب الضربة بالكوفة فقلت: ليس عليك بأس، إنّما هو خدش. قال: لعمري إنّي مفارقكم.<br />والإصابة لم تعبر إلى يمين الجبهة وإنّما كانت على الأغلب موازية له! ولو كانت الإصابة مائلة واخترق الجرح خطّ الوسط لأحدث ذلك نزيفاً داخل الجمجمة مما يسبب في البداية تلون بياض الدماغ بحمرة الدم وهذا ما لَمْ يشاهده السكوني الطبيب، وبمرور الوقت وبسبب قطع حتمي في جيب وريدي طولي كبير يسري في خطّ الوسط داخل الجمجمة من أمام الجبهة إلى مؤخرة الرأس يدعى بالجيب الوريدي السهمي العلوي وبعمق الجرح الذي وصفه أثير السكوني، يحدث نزفاً دموياً داخل الجمجمة. انظر الشكل رقم (1). وإذا ما حدث ذلك فإنَّ النزف الحاصل داخل الجمجمة يستمرّ ويسبب ضغطاً على الدماغ. ويعتمد مقدار النزف على حجم الجيب الوريدي في تلك المنطقة. ويؤدي ذلك إلى تدهور متسارع في الوعي وتشلّ الأطراف ويفقد الوعي تماماً وتنتهي الحالة بالوفاة.<br /> <br />الشكل رقم (1): الجيب الوريدي السهمي<br /> هل جاءت الضربة في أسفل الجبهة أي فوق الحاجب مباشرة؟<br />فإذا كانت كذلك فإنَّ الإصابة ستصيب الجيوب الأنفية الجبهوية التي تقع عند مستوى الحاجبين في قاعدة الجمجمة. وهنا يحصل في الغالب نزف من الأنف لارتباط الجيوب الأنفية في قاعدة الجمجمة بالأنف. انظر الشكل رقم (2) وهذا ما لم يذكر في الأحداث الموصوفة، حيث إنَّ الدم كان مصدره جرح فروة الرأس ولم يذكر أبداً أن هناك نزفاً من الأنف. وكذلك فإنَّ الجرح فوق الحاجب يمكن أنْ يسبب نزفاً داخل فروة الرأس وكدمة تسبب حمرة وزرقة في الجلد عند الحاجب وحول محجر العين وهذا ما لم يذكره شهود العيان أبداً.<br /> <br />الشكل رقم (2): الجيوب الأنفية<br /> هل جاءت الضربة في أعلى الرأس:<br />إذا كان ذلك فإنَّ السيف سيصيب وبعمق نفّاذ الجرح الذي تبين من تقرير السكوني القشرة الحركية الدماغية (انظر الشكل رقم 3) المسيطرة على حركة الجانب المعاكس من الجسم مما يسبب شللاً نصفياً جزئياً أو كلياً فيه. ومن سير روايات المؤرخين نجد إنَّ ذلك لم يذكر مطلقاً ولم تتوفر أية إشارة إلى وجود ضعف في الذراعين أو الساقين حتّى لحظة وفاته.<br /> <br />الشكل رقم (3): القشرة الدماغية الحركية<br />هل نزف الدم بكثرة؟<br />ليس هناك ما يعطي فكرة واضحة عن شدّة النزف من الجرح عند الإصابة. ولكن من المعلوم أن فروة الرأس من أغزر مناطق الجسم للأوعية الدموية وعليه فإنَّه يمكن القبول بفرض حالة فقدان دم كثير من الجرح.<br /><br /> إصابة الجمجمة: من المؤكّد أنَّ الإصابة قد نفذت إلى داخل تجويف الجمجمة، أي أنّها وصلت إلى الدماغ وشملته! والذي يدعم ذلك أنَّ الطبيب أثير السكوني عندما أدخل عرق (قصيبة هوائية) رئة الشاة في جرح رأسه نفذ من خلاله إلى داخلها وظهر بياض الدماغ على العرق عندها قال: يا أمير المؤمنين اعهِد عهدك... إلى آخر الوصية.<br />هل كان كسر الجمجمة كبيراً؟ مما لا شكّ فيه أنَّ الإصابة سببت كسراً في الجمجمة لنفاذ الجرح إلى بياض الدماغ. ولكن الكسر لم يكن بالكبير وذلك لعدم قدرة السكوني الطبيب من وصفه على حاله واضطر لإدخال عرق الرئة داخله لاستكشافه ومشاهدة المادة الدماغية عليه عند إخراجه؟ فلو كان الجرح كبيراً لاستطاع مشاهدة داخل الدماغ مباشرة من خلال الفتحة التي أحدثها الجرح. وعليه فإنَّ كسر الجمجمة كان بعرض نصل السيف النافذ فقط.<br />هل تمزقت السحايا؟ بما أنَّ الإصابة قد نفذت إلى داخل المادة الدماغية فيستدلّ أنَّ الإصابة نفذت من خلال تمزق السحايا وهي الأغشية التي تغلف الدماغ من كلّ جهاته. انظر الشكل رقم (4). ولكن تمزق السحايا هذا لم يسبب نزفاً حول السحايا مما يحدث أحياناً في هكذا إصابة. والدليل هو عدم تلوّن بياض الدماغ بحمرة الدم لسهولة سريان الدم من خارج السحايا إلى داخل الدماغ.<br /> <br />الشكل رقم (4): السحايا وما حولها<br />الجرح الدماغي: لقد نفذت الإصابة إلى الدماغ ولكنها لم تنفذ عميقاً داخله حيث البطينات الدماغية. انظر الشكل رقم (6). والتي عند وصول الدم النزفي إليها تحدّث حالة تدهور في الوعي وصداع شديد مما لم يشر المؤرخون إلى حدوثه. وعليه فإنَّ عمق الجرح خلال المادة الدماغية لم يتجاوز الإنج أو أكثر بقليل.<br /> <br />الشكل رقم (5): البطينات الدماغية<br />ومما يدعم أنْ يكون عمق الجرح الدماغي لا يزيد كثيراً على الإنج هو عدم حصول نزف داخل الدماغ لعدم بلوغه الأوعية الدموية الدماغية الموجودة في ذات العمق ولكن بجنب البطينات. وإذا ما حصل تمزق في تلك الأوعية الدماغية ينتج عنه نزف مستمر داخل الدماغ يتزايد ساعة بعد ساعة مما يؤدي إلى الشلل المتفاقم وتدهور في الوعي ثمّ فقدانه ومن ثمّ الموت. ومن المهم أنْ نؤكد على أنَّ وعي الإمام علي بعد الإصابة وحتّى وفاته كان واعياً وعياً كاملاً ما عدا نوبات إغماء وقتي متكررة حيث أوصى بوصيته وتحدّث إلى أهل بيته وزائريه بلغة لا تختلف عن وصاياه وخطبه أيام كمال صحته لا في سمو الأسلوب ولا في إصابة المقصد. وبعد هذه التفاصيل المحتملة لابد من بعض الاستنتاجات:<br />الاستنتاج الأوّل: كانت الضربة بالمواجهة، والجرح (الإصابة) عموديا موازيا لخط الوسط في الجانب الأيسر من أعلى الجبهة (القرن). وكان طول الجرح يقارب، أو يزيد على الإنجين، وبعمق يقارب، أو يزيد قليلاً على، الإنج. وكان الامام أثناء الضربة ماشيا منتصب القامة ولا يمكن أنْ تكون الضربة والإمام جالساً أو راكعاً أثناء الصلاة. ففي هاتين الحالتين ستكون الضربة في أعلى الرأس أو في خلفه وليس في مقدمته.<br />استنتاج ثان: هل كانت إصابة الرأس سبباً للوفاة؟<br />لقد أصيب الإمام بضربة سيف حاد نافذة الى داخل الجمجمة مخترقة فروة الرأس والجمجمة والسحايا وبعمق انج في داخل المادة الدماغية. مما سبق تفاصيله فإنَّه من المستبعد جداً حصول التهاب السحايا أو التهاب الدماغ أو خراج الدماغ وذلك لعدم حصول المضاعفات المتوقعة مثل الحمى والصداع وتدهور الوعي وفقدانه قبيل الوفاة. ففي حالات التهاب السحايا أو الدماغ يقفد المصاب وعيه قبيل الوفاة أما الامام فقد بقي واعياً إلى لحظة مفارقة روحه جسده. وكذلك من المعلوم أنَّ الوفاة بسبب الالتهاب السحائي أو الدماغي لا تحدّث إلا بعد أيام عديدة أو أسابيع اعتماداً على سُمِّية الجراثيم المسببة والتي تتسرب إلى الجرح من خلال الجلد حول الجرح الملوث الملتهب والذي لم يكن تبين أنه كان ملوثا في حالة الإمام فقد علق أحد عائديه قائلا ماجرحك بشئ. وكذلك لم يكن هناك تلوث الجرح ببقايا نسيجية نافذة من عمامته والتي يمكن أن تسبب التهاباً "كيمياوياً" في السحايا والدماغ.<br />الاستنتاج النهائي: إن سبب الوفاة المباشر لم يكن إصابة الرأس. من الجدير بالذكر هنا القول بأن هناك حالة لا يمكن تفسيرها بسهولة وهي أنَّ الرجة الدماغية الآنية الناتجة عن ضربة السيف على الرأس بسرعة هائلة وبشدة بالغة ونافذه إلى داخل الجمجمة لم تسبب فقدان الوعي عند الإمام والذي يحدث عادة عند الشدة على الرأس مهما كان سببها؛ كسقوط من مرتفع أو ارتطام أو ضربة مباشرة على الرأس. فقد قال الإمام عند الضربة مباشرة: فُزتُ وَربّ الكعبة. ومن ثمّ وبكامل الوعي: لا يفوتنكم الرجل.<br />ثانياً: السُمّ كسبب للوفاة: السموم هي أنواع كثيرة منها النباتية والحيوانية ولكل منها تأثيراتها وحب الجرعة التي يتم استعمالها والطريقة المستعملة. من المؤكّد أن ابن ملجم قد سمم السيف حيث قال: سممته بألف (كذا) ، "أن سيفي اشتريته بألف وسممته بألف..." ولعدم تطابق التغيرات الفسلجية والمرضية في حالات التسمم المذكورة آنفا مع حالة الإمام الصحية منذ إصابته وحتّى وفاته فأنَّ الرأي بالقول أنَّ الوفاة حدثت بسبب أحد السُموم التي تمت مناقشتها لا يمكن قبوله.<br />ثالثاً: أسباب أخرى محتملة للوفاة: هنالك احتمالان آخران لسبب الوفاة أوّلهما التسمم الدموي الجرثومي: وهذا يحدث عند تلوث الجرح بجراثيم عالية السُمية ومنه تسري إلى الدم مُحدثة تسمماً دموياً قاتلاً. وهذه الحالة، ومن جملة أعراضها المرضية، توسع الأوعية الدموية الجلدية واحمرار الجلد وخصوصاً في نهايات الأطراف. ولكن في هذه الحالة يكون التسمم الجرثومي مصحوباً بالحمى والتعرق. ويجب أن يظهر التهاب الجرح في فروة الرأس الذي هو مصدر التلوث على شكل تقيح الجلد عند الجرح والتهاب السحايا والدماغ، وهذا لم يحدث استناداً لما ذكر آنفاً. حيث ذكر عمرو بن الحمق الخزاعي حينما نظر إلى جرح الإمام قال يا أمير المؤمنين ما جرحك هذا بشيء، والذي يشير إلى إن الجرح يخلو من آثار الاختلاطات الموضعية تلك. ولم يرد أي ذكر للحمى مطلقاً وهنا لابد من بعض الاستنتاجات ومنها:<br />الاستنتاج: أن التسمم الجرثومي كسبب للوفاة ضعيف الاحتمال. أما الاحتمال الأخير فهو خذلان القلب وجهاز الدوران بسبب فقدان الدم وتيبس الجسم في أيام الصيام السابقة واحتمال عدم تناول السوائل اللازمة خلال يومي الإصابة. يسبب ذلك عدم قدرة القلب على الحفاظ على المعدل الطبيعي للضغط الدموي. وهذه تضعف القلب تدريجياً حتّى يتوقف. ولكن لم يذكر لنا الرواة إن دم الإمام كان يسيح على الأرض مثلاً أو غرق في دمه كوصف متعارف عليه في حالات النزف الغزير، ولكن الدم قد خضب وجهه ولحيته. ولكن إذا ما أضفنا لهذا الفقدان في الدم كون الإمام (ع) كان صائماً شهر رمضان فهو بحاجة إلى السوائل بالأصل، وكان لا يزيد على اللقمتين أو ثلاث فقيل له فقال: أنّما هي ليال قلائل يأتي أمر الله وأنا خميص. وذكر ابن الاشعث حينما شاهد الامام: يأبت رأيت عينيه داخلتين في رأسه. فقال الأشعث: عيني دميغ ورب الكعبة وهذا دل على قلة السوائل في الجسم ولكن هذا الوصف كان لحالته في صبيحة اليوم الاول بعد الاصابة، ولايمكن أن يؤخذ ذلك كدليل على جفاف الجسم الى درجة أن يكون سببا للوفاة. علما بأنه ليس من الضروري في هذه الحالات فقدان الوعي قبيل الوفاة. واشارة لما ورد من الممكن أن نستنتج أنَّ هذه جميعاً قد سببت هبوطاً متزايداً في الضغط الدموي مما أضعف القلب بشدة ولكن هل يمكن اعتبار ذلك سبباً للوفاة؟<br />الخاتمة: ما المقصود بسبب الوفاة؟ في الغالب أن للوفاة سببين: مباشر وغير مباشر. فالمباشر مثل تهشم الرأس الشديد الناتج عن دهس مركبة أو إصابة بطلقات نارية متعددة في الرأس أو القلب أو إصابة بجلطة شديدة في القلب أو الدماغ. أما السبب غير المباشر فمثل توقف القلب بسبب فقدان الدم الشديد فالمباشر هو توقف القلب وغير المباشر هو فقدان الدم. أو الوفاة بجلطة الرئة الناتجة عن تخثر في أوعية الساق فالسبب المباشر هو عجز الرئة وغير المباشر هو الخثرة الوريدية في الساق أو توقف التنفس عند المصاب بسرطان القولون المنتشر إلى الرئة حيث المباشر هو توقف التنفس وغير المباشر هو السرطان.<br />الاستنتاج النهائي: أن سبب الوفاة ومما تبين من العرض المقدم نتوصل إلى الاستنتاج بأن إصابة الرأس ليست السبب المباشر للموت ويبقى احتمال كون السبب المباشر للموت هو السُمّ قائماً! فإذاً كان كذلك فإنّه يمكن أن يتسبب من أحد السُموم الشديدة الفعالية ويبقى سبب الوفاة الحقيقي بحاجة إلى المزيد من الدراسة والتحقيق. وهنا لابد من القيام بدراسات لمعرفة حقيقة ما حدث والذي أدى الى استشهاد امام المتقين ويعسوب الدين أبا الأئمة علي بن أبي طالب (ع). وختام القول هو قول الشيخ الرئيس ابن سينا والذي كان يردده دوماً المرحوم العلامة واستاذ الاساتيذ الدكتور حسين علي محفوظ: "ندعو الله أن يجنبنا الزيغ والزلل، والاستبداد بالرأي الباطل، واعتقاد العجب فيما نرى ونفعل، والحمد لواهب العقل".<br />فسلام عليك يا أبا الحسن يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا.<br />