اعداد : أ.د. يونس عبد الرضا الخفاجي <br /><br />لكي نتمكن من اكتشاف تفشي الفيروسات الجديدة أو الأوبئة، نحتاج إلى مراقبة تداول الفيروسات في البشر والحيوانات الأخرى باستخدام منهجيات سريعة، حساسة، منخفضة التكلفة، وواسعة الطيف.:<br />كيف يمكن اكتشاف تفشي الفيروسات الجديدة أو الأوبئة؟<br /> نحن بحاجة إلى مراقبة انتشار الفيروسات في البشر والحيوانات الأخرى باستخدام منهجيات سريعة، حساسة، رخيصة، وواسعة الطيف.<br />"One Health" هو مفهوم يجمع بين ( 1) صحة الإنسان، (2 ) صحة الحيوان، و (3) صحة البيئة. وفقًا لهذا المفهوم، فإن أي حالة تؤثر على أحد هذه الأطراف الثلاثة ستؤثر على صحة الجميع. يمكن التعرف على الأمراض المستجدة والمعاودة ظهورها كاضطرابات في إطار "One Health". قد تظهر هذه الأمراض نتيجة للتدخلات البيئية الناجمة عن الأنشطة البشرية. على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي التدخل في موائل الحياة البرية إلى جعل الحيوانات البرية تقترب أو حتى تعيش في المناطق الحضرية، مما يخلق ظروفًا مثالية لانتقال المسببات المرضية من هذه الحيوانات إلى البشر. بمعنى آخر، يمكن أن يكون ظهور مرض ما نتيجة لغياب التآزر بين مختلف العوامل الاجتماعية والبيئية.<br />عندما يظهر مرض حيواني المنشأ جديد في مجموعة سكانية بشرية، يكون من الضروري اكتشاف وتحديد هذا العامل الممرض الجديد بسرعة. إن الكشف المبكر عن مثل هذه الحالات يعد وسيلة مهمة لمنع تفشي الأمراض وتجنب الأوبئة. على سبيل المثال، إذا تم تحديد دوران فيروس نقص المناعة البشرية (HIV) في أفريقيا مباشرة بعد انتقال الفيروس من الرئيسيات البرية إلى البشر، ربما كان من الممكن تجنب جائحة الإيدز. وبالمثل، لمنع إعادة ظهور مرض فيروسي في السكان البشريين، فإن التعرف المبكر عليه، مراقبته، ودراسة الفيروسات المنتشرة بين البشر أمر بالغ الأهمية.<br />يجب أن يتم هذا الرصد بشكل رئيسي في: السكان المرسلين الذين يعيشون في أماكن قريبة من مواطن الحيوانات التي تعتبر خزانات فيروسية مهمة (مثل القوارض، الخفافيش، الخنازير، والقردة). الأفراد الذين يعيشون أو يعملون بالقرب من مناطق تربية الحيوانات أو مناطق ذبح الماشية، حيث توفر هذه المناطق ظروفًا مثالية لظهور أمراض فيروسية بشرية بسبب التعايش بين البشر والحيوانات غير البشرية.<br />السكان الذين يعيشون في مناطق موبوءة بالمتجولين الفيروسية (وخاصة البعوض). علاوة على ذلك، ينبغي تنفيذ هذا الرصد بين المرضى الذين يسعون للحصول على خدمات صحية وهم يعانون من أعراض تشير إلى إصابات فيروسية. ومع ذلك، فإن المشكلة العملية تكمن في نقص الأدوات والمنهجيات اللازمة لتنفيذ هذا النوع من الرقابة.<br />مؤخرًا، طور فريق بحثي برازيلي منهجية شريحة الميكروأري DNA (SMAvirusChip)، والتي تُمكّن من فحص أكثر من 400 فيروس ينتقل بواسطة المفصليات والثدييات الصغيرة باستخدام عينة بيولوجية واحدة فقط. من المهم الإشارة إلى أن SMAvirusChip يمكنها تحديد الفيروسات التي تشكل مصدر قلق دائم للسلطات الصحية العامة (مثل فيروسات حمى الشيكونغونيا، وحمى الضنك، وزيكا، وغيرها)، أو تلك التي تثير اهتمام المجتمع العلمي، كما هو الحال مع فيروسي سابيا وروسي (كلاهما تم تحديدهما لدى مرضى بشريين، ولكن لا تزال هناك نقص في المعلومات الجينية/التطور أو حتى البيئية حولهما).<br />تعتمد هذه الأداة على بروبات الأوليجونوكليوتيد ، مما يسمح بالكشف الدقيق عن الفيروسات التي غالبًا ما يكون من الصعب تشخيصها باستخدام الفحوصات المناعية التقليدية بسبب التداخل المتبادل للأجسام المضادة. على سبيل المثال، قد تكون نتائج الفحوصات المناعية المستخدمة للكشف عن فيروس زيكا غير حاسمة بسبب التداخل المتبادل للأجسام المضادة الناتجة عن فيروسات أخرى تنتمي إلى نفس العائلة مثل حمى الضنك أو الحمى الصفراء.<br />بالنسبة لنا، فإن الكشف عن مجموعة واسعة من الفيروسات يُعتبر خاصية فريدة لـ SMAvirusChip. من ناحية أخرى، لا تزال إمكانية استخدام هذه المنهجية على نطاق واسع بحاجة إلى التقييم. قد تكون تكلفة تطبيق هذه التقنية عائقًا كبيرًا، خاصة <br />في البلدان النامية. ومع ذلك، فإن هذه الأداة تعد مثالاً لتكنولوجيا يمكن استخدامها لمراقبة تداول الفيروسات بين البشر والأنواع الحيوانية الأخرى.<br />تطوير أدوات لتحديد طيف واسع من مسببات الأمراض الفيروسية بسرعة وكفاءة ومنخفضة التكلفة يُعتبر حاجة عالمية. ستجد هذه الأدوات تطبيقًا رئيسيًا في خدمات الرعاية الصحية في البلدان النامية الواقعة في المناطق الاستوائية. معرفة مسببات الأمراض التي تنتشر في مجموعة سكانية معينة ستسمح بالكشف عن التغيرات الصغيرة حتى في أنماط انتشارها. يمكن تصور عدة جوانب لمثل هذا المسح:<br />أولاً، منهجيات مثل هذه ستسهل تشخيص الأمراض الفيروسية التي غالباً ما يبقى العامل المسبب لها غير محدد. في هذه الحالات، وحتى لو لم يكن تحديد مسببات الأمراض له تأثيرات سريرية أو نتائج علاجية، فإن البيانات ذات أهمية وبائية.<br />ثانيًا، ستمكن هذه الأدوات من مراقبة مختلف الفيروسات التي تستضيفها السكان البشرية.<br />ثالثًا، يمكن استخدام هذه الأدوات في خدمات الصحة لفحص أكياس الدم، على سبيل المثال.<br />رابعًا، في دراسات البيئة الفيروسية، ستساعد هذه الأدوات الباحثين الذين يستهدفون التنوع الفيروسي بين الحيوانات غير البشرية. في هذه السياقات المختلفة، سيتم أيضًا توسيع نطاق مسببات الأمراض المكتشفة في الأنشطة البحثية.<br />المراقبة المستمرة لانتشار الفيروسات في المناطق المعرضة للخطر يمكن اعتبارها استراتيجية ضمن نطاق "التدخلات المستمرة". عرّف ماتوا وآخرون هذا المصطلح على أنه استراتيجيات "تُنفذ على المستوى الفردي والمجتمعي والمؤسسي بعد انتهاء وباء، وتستمر في أعقابه، أي بين فترات تفشي المرض." وقد أوصى هؤلاء المؤلفون بتطبيق "التدخلات المستمرة" في سياق آخر تفشٍ لفيروس إيبولا في أفريقيا؛ ونرى أنها قد تكون مفيدة عند تطبيقها في مواقف أخرى، قبل ظهور عدد كبير من الحالات المعدية، لمراقبة الأمراض المتوطنة والناشئة والمتكررة. يؤكد نفس المؤلفين أن "جوهر ’التدخلات المستمرة‘ هو الحفاظ على استعداد السكان والمؤسسات في المناطق ’عالية الخطورة‘، بالكامل وعلى الدوام، مع وعي دائم بمخاطر تكرار تفشي إيبولا." في رأينا، هذه التعريفات تناسب بشكل مناسب ليس فقط إيبولا ولكن أيضًا العديد من الأمراض الفيروسية الأخرى.<br />في الختام، الفيروسات التي تمتلك إمكانية كبيرة لتفجير أوبئة جديدة موجودة بالفعل "هناك". مراقبة انتشار الفيروسات في العينات البيولوجية (البشرية وغير البشرية) أمر ضروري لاكتشاف مبكر للتفشي الوبائي أو الأوبئة المقبلة. الحاجة لمثل هذا النوع من المراقبة والرصد تكون أكبر في الدول الاستوائية النامية حيث يعيش البشر بشكل غير متناغم مع العديد من الحيوانات الأليفة والبرية في كثير من الأحيان. ستكون المراقبة المقترحة أكثر فعالية إذا تم تنفيذها باستخدام عينات من: (1) نواقل الأمراض، (2) الخزانات الفيروسية المستقرة، و(3) الحيوانات المهاجرة مثل الطيور، و(4) البشر. مجتمعة، ستكشف البيانات التي يتم جمعها من البشر والحيوانات الأخرى (البرية، الماشية، والأليفة) عن أماكن التركز الفيروسي، مما يمكن من اتخاذ تدابير للسيطرة على انتشار مسببات الأمراض الفيروسية.<br />مثل هذه الاستراتيجية قد تقلل ليس فقط من المشاكل الصحية، ولكن أيضًا من الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الإصابة وحتى نفوق الحيوانات ذات الأهمية الاقتصادية (على سبيل المثال، للصناعة الغذائية). من المهم أن نشير إلى أنه فقط من خلال تطوير منهجيات تتيح تحديد طيف واسع من الفيروسات يمكن تحقيق هذا النوع من المراقبة بفعالية. وفي دول العالم النامي والاستوائية مثل البرازيل، يجب تشجيع هذا النوع من المبادرات ليس فقط كوسيلة لدعم التطوير التكنولوجي، ولكن قبل كل شيء كاستراتيجية للصحة العامة وكمحاولة للحفاظ على مفهوم الصحة الواحدة (One Health). <br /><br />جامعة المستقبل الاولى في العراق <br /><br/><br/><a href=https://www.linkedin.com/company/college-of-health-medical-techniques/posts/ target=_blank> كلية التقنيات الصحية والطبية linkedin</a>