<br />التنمية المستدامة كأساس للضريبة الخضراء<br />د.حسين جبر <br />إن مغالاة الإنسان في استعمال الموارد البيئية واستغلالها لتلبية احتياجاته المتزايدة ومتطلباته المتجددة أدى إلى تغيرات جوهرية في النظم البيئية مما أثرت سلبا في التوازن البيئي بشكل جسیم مما ينعكس ذلك على صحة الإنسان وحياته وكافة الكائنات الحية؛ وأمام هذا الخطر الداهم كان لا بد من وجود دور بارز وفعال للسياسات البيئية لمعالجة الآثار السلبية للبيئة ومن ثم تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.<br />إن العلاقة بين السياسة البيئية والسياسة الضريبية شديدة الصلة حيث إن نتيجة لسوء استغلال الإنسان للبيئة واستنزافها وإحداث تدهور كبير في معظم عناصرها أدى<br />إلى اختلال التوازن البيئي، الأمر الذي أصبح يهدد حياة جميع الكائنات الحية التي تعيش على كوكب الأرض، ويعتبر الإنسان في مقدمة هذه الكائنات.<br />وتمثل التنمية المستدامة للدول الصناعية الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية، وذلك من خلال إجراء خفض عميق ومتواصل في استهلاك الطاقة والموارد الطبيعية، وإحداث تحولات جذرية في الأنماط الحياتية السائدة في الاستهلاك والإنتاج.<br />تعني التنمية المستدامة السعي من أجل استقرار النمو السكاني ووقف تدفق الأفراد على المدن من خلال تطوير مستويات الخدمات الصحية والتعليمية في الريف والقرى والنجوع وتحقيق أكبر قدر من المشاركة الشعبية في التخطيط للتنمية.<br />وينطلق الاساس الفلسفي للضريبة البيئة على اساس التنمية المستدامة في كونها تشجع السياسات البيئية نحو تحسين نوعية البيئة على المستويين المحلي والدولي ، وتحسين نوعية البيئة بما يكفل حق الأجيال القادمة في العيش في بيئة صحية سليمة ووقف التدهور البيئي الناتج عن الاستخدامات الضارة والأنشطة البشرية غير السليمة، والعمل على إعادة تأهيل النظم البيئية المتدهورة وتفعيل سياسات التنمية المستدامة . إدراج البعد البيئي في المشروعات كافة والتحقق من أول خطوات إدارة التخطيط للسياسات البيئية؛ وهو الإحساس بأن هناك طاقة استيعابية للبيئة وأن الموارد محدودة بمعنى أن هناك حدودًا للموارد البيئية المتجدد منها وغير المتجدد، ولا بد أن يأخذ التخطيط البيئي في الاعتبار أن الثروة البيئية هي تراث يخص الأجيال الحالية ويخص أيضًا الأجيال القادمة .<br />وتُعَدُّ الإجراءات اللازمة لإحكام المعايير الخاصة بالملوثات من الأمور حتمية التطبيق والتنفيذ، لما لها من تأثير في التكاليف الإضافية للعلاج نتيجة التلوث وأيضًا المنافع المهدرة للوحدة الاقتصادية كما تؤثر في صحة الإنسان وفي العملية الإنتاجية القومية التي تؤثر بدورها في الاقتصاد القومي .<br />وبالنظر إلى التنمية المستدامة نلاحظ مدى الارتباط بينها وبين السياسة الاقتصادية، ومن السياسة الاقتصادية ذات الأهمية بمكان سياسة الإعانات التي تقدمها الدولة إلى بعض المنتجين؛ مثل: الدعم الذي يقدم من الدولة للطاقة والمياه بوصفه محاولة من الدولة لتخفيض حجم التلوث البيئي، ويرى بعض الاقتصاديين المهتمين باقتصاديات البيئة أن تلك الإعانات تُعدُّ إعانات مضرة للبيئة ومن أمثلة ذلك دعم الدولة لأسعار الكهرباء، فإن انخفاض أسعار الكهرباء ؛ سوف يؤدي إلى الإسراف في الاستهلاك وزيادة الطلب على الكهرباء وبالتالي استنزاف موارد الطاقة وهي معظمها غير متجددة، وينتج عن ذلك زيادة معدلات تلوث الهواء بأكاسيد الكربون، الكبريت ومن مساوئ الإعانات أنها تشجع المنتجين على التحول من صناعتهم إلى صناعات أخرى ، ينتج عنها تلوث للاستفادة من الدعم المالي الذي تقدمه الدولة وبالتالي تُعدُّ تلك الإعانات نقمة وليست نعمة فبدلا من أن تقل نسبة التلوث نجد أنها تزداد بسبب تلك الإعانات لذلك كان لا بد من فرض الضريبة على هذه الصناعات للحد من التلوث .<br />فالضريبة تُعد جزاءًا اقتصاديًا فالضريبة والإعانات يعدان متناقضين؛ فالضريبة تخفض الأرباح، والإعانة الحكومية ترفع الأرباح، والضريبة تؤدي إلى خفض الإنتاج الذي ينتج عنه التلوث، في حين أن الإعانات تؤدي إلى زيادة الإنتاج الذي ينتج عنه التلوث .<br />ولا غنى عن الإعانات الحكومية ولا غنى أيضًا عن فرض الضريبة، فكلاهما وجهان لعملة واحدة فنأمل إتباع السياستين معا بنسب مختلفة وفقًا للوضع البيئي والتقني؛ وذلك لتحقيق التوازن البيئي ؛ لذلك فإن واضعي السياسة البيئية يستخدمون الأداة الاقتصادية الجيدة التي تحقق خفضًا في التلوث بأقل تكلفة ممكنة، ولن يتسنى لصانعي قرارات السياسة البيئية اختيار تلك الأداة الاقتصادية إلا في ظل وجود شفافية في المعلومات بشأن حجم الانبعاثات ومستويات التلوث والإضرار الناتجة عنها وبالتالي البحث عن طرق فعالة لمعالجتها .<br />اما عن علاقة السياسة البيئية بالتضخم، والتي قد تبدو بعيدة لأول وهلة، فهي أن السياسة البيئية قد تتخذ شكل الضريبة، والضريبة بصفة عامة قادرة على تكوين مصدر للتضخم . <br />وعلى الرغم من أن التضخم قد يكون محمودًا في بعض الأوقات شريطة أن يتم التحكم فيه، وأن يشجع على الرواج في نشاط الأعمال والعمالة.<br />إلا أنه ليس كذلك في أغلب الأحوال بتأثيره السلبي في الاستقرار الاقتصادي والنيل من عملية ليس كذلك في الإنتاج والاستثمار . <br />لذا لا ينبغي الإفراط في فرض الضريبة بوصفها هدفًا فـ حد ذاته، أو لأهداف مالية فقط، دون الأخذ في الاعتبار الهدف البيئي أو التصحيحي للنشاط الاقتصادي، وأن يراعى العلاقة العكسية ما بين الضريبة وبين درجة الانصياع والتكيف مع السياسة العامة الموضوعة والأهداف المرجوة .<br />وقد تكون السياسة البيئية في شكل سياسة إدارية وتصاريح ورقابة، الأمر الذي يكبد الميزانيات نفقات أكثر ، وليس بمستغرب أن الإنفاق سببًا رئيسًا للتضخم، خاصة مع عدم تولد سلع وخدمات عن هذا الإنفاق. لذا فإن ترشيده يسهم في كبح تلك الظاهرة الديناميكية، ومبرر هذا الإنفاق ؛ لا بد وأن يوجد في تعاظم الفائدة المرجوة منه. وإذا ما استمر الحال على ثبات الضريبة واستمراريتها أو تعاظم الدور التحكمي والإداري للدولة في ضبط الإيقاع البيئي، مع أمور أخرى عديدة، يصبح التضخم أمرا واقعا، وحتميًا يصل مداها إلى الاستثمار الأجنبي. إذ إن قدرة أي بلد، والعراق خاصة، على جذب الاستثمارات الأجنبية إليها لن يتحدد في ضوء الضمانات والمزايا التي تقررها التشريعات التي تصدر بخصوص منح امتيازات للاستثمار الأجنبي لجذب المزيد منه فقط، وإنما يتحدد وربما بشكل أساسي في ضوء معدل الربح الذي يمكن أن يجلبه رأس المال، وبالطبع فإن الظروف الاقتصادية تؤثر في كفاءة الاستثمار من وجهة نظر المستثمر الأجنبي؛ مثل: رخص الأراضي والأيدي العاملة الفنية ورخص المواد الخام المحلية وقوى الطاقة والبنية التحتية وحجم السوق الذي سيبيع فيه والطلب الفعلي وكل هذه الأمور تتأثر بشكل كبير بالتضخم .<br />وعموما فإن التأثير السلبي الذي يباشره التضخم في إضعاف قدرة البلد على جذب الاستثمارات إنما يتم من خلال قناتين<br />القناة الأولى: إن التضخم وخاصة في مجال النفقة يؤدي إلى ارتفاع التكاليف الاستثمارية للمشروعات الجديدة ، كما أنه يزيد من نفقة الإنتاج الجاري حينما تبدأ تلك المشروعات في العمل. وهذا يؤدي إلى تقليل حجم الفائض الاقتصادي الذي يؤول إلى هذه المشروعات .<br />أما القناة الثانية : فتتمثل في التدهور المستمر الذي يحدث في سعر الصرف وما يحدثه من خسائر في تحويلات أرباح الاستثمارات الأجنبية للخارج، الأمر الذي قد يجبر الدولة في النهاية إلى إحداث تخفيض القيمة الخارجية للعملة الوطنية مما يؤدي إلى انخفاض الأرباح التي تحولها الاستثمارات الأجنبية الخاصة للخارج؛ لأنه في حاجة لعملة وطنية أكثر للحصول على القيمة الأجنبية نفسها، تلك التي كان يحصل عليها قبل التضخم .<br />إلا أنه قد يقال إن الضريبة البيئية، أو الإنفاق الحكومي لمكافحة التلوث، قد لا يكون من الحجم الذي يولد موجات تضخمية ... إلا أن مكمن المشكلة أنه قد تكون هناك موجات تضخمية سائدة بالمجتمع بالفعل (وهو على الأغلب ما تعاني منه معظم اقتصاديات الدول النامية ومنها العراق)، وأن النظام الضريبي ككل ما هو إلا حصيلة مجموع ضرائب مختلفة على مختلف الأنشطة الاقتصادية، كما أن مدى تأثيرها يعتمد على التوقيت والمدة والقاعدة المفروضة أو التي ينفق عليها.<br />ومثال على اثر التنمية المستدامة على قيمة الضريبة البيئية ان تحديد مدى العلاقة بين سعر ضريبة الكربون والمستهدفين منها من ناحية ونسبة التخفيض في كمية الانبعاثات من الغازات من ناحية أخرى، والتدرج في تطبيق الضريبة مع التباين في سعرها بالنسبة للقطاعات والفئات المختلفة ، ويمكن في بداية تطبيق الضريبة الجمع الجمع بينها وبين الأدوات الأخرى؛ مثل : إعطاء حوافز لمنتجي ومستهلكي مصادر الطاقة المتجددة، وفرض ضريبة على ملكية وسائل النقل الأكثر استهلاكًا للوقود بإذ يتفاوت سعر الضريبة تبعاً لنوع الوقود المستخدم في وسيلة النقل، كما ينبغي تهيئة الرأي الضريبة . العام لتقبل الضريبة بتوضيح آثارها الإيجابية واختيار التوقيت المناسب لإقرار فرض الضريبة .<br />وتُعَدُّ ضرائب انبعاثات ثاني أكسيد الكربون هي العنصر المشترك في إصلاحات الضرائب البيئية، كافة في جميع الدول إذ إنها أكثر الطرق فاعلية في بلوغ الأهداف البيئية، وتقدر قيمة الضريبة على أساس انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من خلال المحتوى التقديري من الكربون في المنتجات التي تُعَدُّ مصدرًا لانبعاث هذا الغاز؛ وذلك نظرا لصعوبة قياس انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون بدقة<br />إن مفهوم الإصلاح الضريبي البيئي آلية اقتصادية تتسم بالواقعية وقابلية التطبيق في العراق في ظل الاتجاه المتزايد نحو الفكر الضريبي الحديث والتحول بعيدًا عن الفكر التقليدي المتمثل في الجباية وتخفيف العبء الضريبي على المواطن وتخفيض أسعار الضرائب والحد من التهرب الضريبي. |وقد دلت الدراسات التطبيقية أن تلك الضريبة قد مكنت العديد من البلدان النامية من زيادة إيراداتها الضريبية بحوالي ٤% إلي ٥٪ من الناتج المحلي الإجمالي"<br />كما يتماشى مفهوم الإصلاح الضريبي في التنمية المستدامة الإطار الاقتصادي العام في ظل العجز السنوي المتزايد في الموازنة العامة وأن هذه الآلية تتم في إطار الحزمة القائمة من الإجراءات المتكاملة من الرسوم والضرائب والغرامات البيئية .<br />تقوم هذه الآلية على المعاملة الضريبية التفضيلية بين الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة والصناعات شديدة التلوث فُعَدُّ مفهوم الإصلاح الضريبي من الآليات الاقتصادية المولدة للإيرادات وإعادة استخدامها لإزالة التشوهات الضريبية القائمة والإنفاق على برامج السياسات البيئية الموجهة للصناعة .<br />جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق