في ظل التحولات العالمية المتسارعة، أضحى التعليم الجيد حجر الأساس في بناء المجتمعات المعاصرة، وشرطًا جوهريًا لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة. وقد أدركت الأمم المتحدة هذا الدور المحوري، فجعلت من "ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع" الهدف الرابع ضمن خطة التنمية المستدامة لعام 2030. إن التعليم، كما تؤكده الدراسات التنموية والاقتصادية الحديثة، لا يُعَدّ فقط أداة للتمكين الفردي، بل هو مدخل استراتيجي لإصلاح الهياكل الاقتصادية والاجتماعية في الدول النامية والمتقدمة على حد سواء.<br />أولًا: التأصيل المفاهيمي للتعليم الجيد<br />يعني "التعليم الجيد" تقديم عملية تعليمية تتسم بالكفاءة والشمول والاستجابة للمتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية والثقافية. ويتطلب هذا المفهوم الحديث تجاوز النظرة التقليدية التي تحصر التعليم في مجرد نقل المعرفة، إلى منظور أكثر شمولًا، يُعنى بتكوين الإنسان القادر على التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتفاعل مع مجتمعه بفاعلية. ويتحقق ذلك من خلال أربعة أركان أساسية:<br />جودة المناهج الدراسية وتحديثها بما يواكب تطورات العصر.<br />1.كفاءة المعلمين وتطوير قدراتهم المهنيّة باستمرار.<br />2.العدالة في الوصول إلى التعليم دون تمييز.<br />3.تهيئة بيئة تعليمية محفزة وآمنة وداعمة للإبداع.<br /><br />ثانيًا: التعليم الجيد كركيزة للتنمية المستدامة<br /><br />لقد أثبتت البحوث في مجالات الاقتصاد والتعليم أن التعليم الجيد يُعد شرطًا ضروريًا لتحقيق معظم أهداف التنمية المستدامة الأخرى. ويمكن الإشارة إلى أبرز تلك الارتباطات على النحو الآتي:<br />1.الحد من الفقر (الهدف الأول ) : إذ يساهم التعليم في رفع مستوى الدخل وتمكين الأفراد من فرص العمل المنتجة.<br />2.الصحة الجيدة (الهدف الثالث ) : الأفراد المتعلمون أكثر وعيًا بالممارسات الصحية والوقائية.<br />3.المساواة بين الجنسين (الهدف الخامس) : التعليم يوفّر فرصًا للتمكين الاجتماعي والاقتصادي للنساء.<br />4.النمو الاقتصادي (الهدف الثامن :( التعليم يسهم في بناء رأس المال البشري القادر على الابتكار والإنتاج.<br />ثالثًا: التحديات الهيكلية التي تواجه التعليم الجيد<br />رغم إدراك أهمية التعليم، لا تزال هناك تحديات بنيوية تعيق تحقيق تعليم عالي الجودة، خاصة في السياقات النامية، من أبرزها:<br />1.نقص التمويل العام المخصص للتعليم.<br />2.ضعف برامج إعداد المعلمين وعدم مواكبتها للواقع التربوي الجديد.<br />3.التفاوت الجغرافي والاجتماعي في فرص الوصول إلى التعليم.<br />4.غياب البنية التحتية الرقمية في العديد من المؤسسات التعليمية.<br />رابعًا: استراتيجيات النهوض بالتعليم الجيد<br />إن أي إصلاح تعليمي فعال ينبغي أن يتضمن رؤية استراتيجية متكاملة تتضمن:<br />1.توسيع الإنفاق الحكومي على التعليم وتوجيهه نحو القطاعات الأكثر احتياجًا.<br />2.اعتماد سياسات تعليمية قائمة على الأدلة والبيانات.<br />3.دمج التعليم التقني والمهني في المنظومة التعليمية الرسمية.<br />ان التعليم الجيد لم يعد ترفًا يمكن تأجيله أو خيارًا محدودًا بموارد الدول، بل هو التزام أخلاقي واستراتيجي يفرضه الواقع العالمي ويعززه طموح الأفراد والمجتمعات نحو غدٍ أفضل. ومن هذا المنطلق، فإن على الجامعات ومؤسسات البحث العلمي أن تلعب دورًا محوريًا في تطوير السياسات التعليمية، وتقديم المقاربات العلمية التي تضمن الاستجابة الفعّالة لمتطلبات التنمية المستدامة.