إعداد : الأستاذ الدكتورة ثناء بهاء الدين عبد الله<br /><br />هذا المقال يُلخص التحولات الكبرى في علاقتنا مع التكنولوجيا، ويُثير تساؤلات حول كيفية الحفاظ على إنسانيتنا في عصر تتداخل فيه الحدود بين الواقع والخيال.<br />نحن نعيش في عصر التكنولوجيا المتسارع، وقد أصبحت الحدود بين الواقع الحقيقي والعوالم الافتراضية أكثر ضبابيةً من أي وقت مضى. فمن ناحية، تمنحنا أدوات الاتصال الحديثة فرصًا غير مسبوقة للتواصل مع الآخرين، وتوسيع المعرفة، واختبار تجارب جديدة. ومن ناحية أخرى، تدفعنا هذه الوسائل نفسها إلى الانفصال تدريجيًّا عن الواقع المادي، مما يطرح تساؤلات حول تأثيراتها على الهوية الإنسانية والعلاقات الاجتماعية. فالتكنولوجيا أداةً رئيسة لربط البشر عبر المسافات، سواء عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإنستغرام، أو تطبيقات المراسلة الفورية مثل واتساب وتيليجرام. هذه المنصات تتيح لنا:<br />ـ التواصل الفوري: إرسال الرسائل ومشاركة اللحظات مع الأصدقاء والعائلة في أي مكان بالعالم. <br />ـ بناء المجتمعات الافتراضية: الانضمام إلى مجموعات تهتم بهوايات مشتركة أو قضايا اجتماعية. <br />ـ الوصول إلى المعرفة: استخدام الإنترنت للتعلم الذاتي، أو متابعة الأخبار، أو حتى المشاركة في دورات أكاديمية عن بُعد. <br />لكن هذا الاتصال الافتراضي يحمل تناقضًا غريبًا: فكلما زاد اتصالنا رقميًّا، زادت احتمالية انفصالنا عاطفيًّا عن المحيط المباشر. فالشخص الذي ينغمس في هاتفه أثناء اجتماع عائلي قد يكون "موصولًا" بمئات الأصدقاء عبر الشبكة، لكنه "منفصل" عن الحوار الحقيقي مع من حوله. فالتكنولوجيا أدت إلى ظهور أشكال جديدة من الهروب من الواقع والانفصال عنه، وتصبح العوالم الافتراضية ملاذًا له: مثلاً: <br />ـ الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (AR) : التي تسمح للمستخدمين بالعيش في عوالم خيالية أو تعديل إدراكهم للواقع المادي. <br />ـ الألعاب الإلكترونية: التي توفر سيناريوهات بديلة يشعر فيها اللاعبون بالإنجاز والتحكم، بعيدًا عن تحديات الحياة اليومية. <br />ـ الذكاء الاصطناعي والتواصل مع الروبوتات: حيث أصبحت بعض العلاقات الإنسانية تُستبدل بعلاقات مع كيانات ذكية تُحاكي المشاعر. <br />هذه الأدوات، رغم فوائدها، قد تؤدي وبمرور الوقت إلى"الانفصال العاطفي" أو "الإدمان الرقمي"، خاصة لدى الأجيال الشابة. فبحسب دراسات علمية حديثة، إن الإفراط في استخدام الوسائل التكنولوجية يُضعف القدرة على التركيز في المهام اليومية، ويُقلل من مهارات التواصل وجهًا لوجه.<br />الجانب النفسي "البحث عن التوازن" : ان الانفصال عن الواقع ليس دائمًا سلبيًّا؛ ففي بعض الحالات، يكون هروبًا مؤقتًا من ضغوط الحياة، كاستخدام الأفلام أو الكتب للاسترخاء. لكن المشكلة تظهر عندما يصبح هذا الهروب "مزمنًا"، مما قد يؤدي إلى: <br />ـ القلق الاجتماعي: بسبب الاعتياد على التفاعلات الافتراضية بدلًا من الحقيقية. <br />ـ تشوه الهوية: حيث يُبنى جزء من الشخصية على الصور المثالية المُعرضة على وسائل التواصل. <br />ـ الاغتراب عن الذات: عندما تفقد التجارب الافتراضية القدرة على إشباع الحاجات الإنسانية العميقة مثل الحب الحقيقي أو الإحساس بالانتماء. <br />ولتحقيق التوازن بين الاتصال والانفصال: من خلال تحقيق التعايش السليم مع التكنولوجيا، لذا يمكن اتباع استراتيجيات مثل: <br />ـ تحديد أوقات رقمية: فصل الأجهزة الإلكترونية خلال فترات الراحة أو التواصل الأسري. <br />ـ تعزيز الوعي النقدي: التفكير في مدى واقعية المحتوى المُستهلك عبر الشاشات. <br />ـ ممارسة الأنشطة الملموسة: مثل الرياضة، أو القراءة الورقية، أو الأعمال اليدوية التي تعيد ربطنا بالواقع. <br />وخلاصة القول: الواقع هو امتدادٌ لاختياراتنا، فالاتصال والانفصال عن الواقع ليسا ظاهرتين متناقضتين، بل وجهان لعملة واحدة. فالتكنولوجيا، كأداة، ليست جيدة ولا سيئة بذاتها، لكن استخدامنا لها هو ما يحدد تأثيرها. فالمفتاح يكمن في "الوعي" بقدرتنا على التحكم في هذه الوسائل، بدلًا من أن تتحكم هي فينا، وبهذا، نستطيع أن نعيش في الواقع دون أن نفقد سحر الاكتشافات التي تقدمها لنا العوالم الافتراضية. <br />ــــــــــــــــــــــــــــــ<br />المصادر:<br />ـ دراسة "The Ethics of Artificial Intelligence" جامعة ستانفورد) 2022(.<br />ـ تقرير "Digital Wellbeing" من منظمة الصحة العالميةWHO .(2020) (https://www.who.int/)<br /> (https://www.psychologytoday.com/)<br /> (https://www.forbes.com/)<br /> (https://www.pewresearch.org/)<br /> (https://www.ida2at.com/)<br /><br /><br /><br />( جامعة المستقبل هي الجامعة الاولى في العراق )