شكّل العلم في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين نقطة تحوّل كبيرة في مختلف مجالات الحياة، ولم يكن الفن بمعزل عن هذا التغيير. فقد ظهرت في تلك الفترة مدرستان فنيتان بارزتان هما: الانطباعية والانطباعية الجديدة، وكلتاهما تأثرتا بوضوح بالتطورات العلمية، خاصة في مجالات الضوء والبصريات ونظرية الألوان. هذا المقال يستعرض العلاقة بين هاتين المدرستين والتقدم العلمي الذي صاحبهما، ويقارن بين أساليبهما الفنية من منظور علمي.<br /><br />الانطباعية وتأثير الاكتشافات العلمية<br />انبثقت الانطباعية في فرنسا في سبعينيات القرن التاسع عشر، كحركة فنية تمردت على التقاليد الكلاسيكية في الرسم. كان من أبرز روّادها: كلود مونيه، بيير أوغست رينوار، وإدغار ديغا. وقد تأثرت هذه الحركة بعدة تطورات علمية، أهمها:<br /><br />علم البصريات: ساعدت الاكتشافات حول تحليل الضوء إلى أطياف لونية في فهم كيفية انعكاس الألوان وتفاعلها مع العين البشرية.<br /><br />التصوير الفوتوغرافي: أثّر ظهور الكاميرا على تفكير الفنانين في اللحظة الزمنية، مما دفعهم لتصوير اللحظة العابرة والإضاءة المتغيرة.<br /><br />نظرية الألوان: أدى تطور المعرفة بكيفية إدراك العين للألوان إلى استخدام ألوان نقية وغير مخلوطة على اللوحة.<br /><br />ركز فنانو الانطباعية على التقاط المشهد الطبيعي كما تراه العين في لحظة معينة، مع اهتمام كبير بتأثيرات الضوء والظل. كانت لوحاتهم مليئة بالحيوية والحركة، وابتعدوا فيها عن التفاصيل الدقيقة لصالح التعبير الحسي والتجريبي.<br /><br />الانطباعية الجديدة والرؤية العلمية المنظمة<br />ظهرت الانطباعية الجديدة في أواخر القرن التاسع عشر، بقيادة الفنان جورج سورا، وقد اتسمت هذه المدرسة باتباع نهج علمي دقيق ومنهجي في الرسم. بدلًا من استخدام ضربات الفرشاة الحرة، اعتمد الفنانون على تقنية التنقيط (Pointillism)، وهي وضع نقاط صغيرة من الألوان النقية جنبًا إلى جنب.<br /><br />استندت هذه المدرسة إلى نظريات علمية مهمة، منها:<br /><br />نظرية الألوان التكميلية للعالم الفرنسي أوجين شيفرويل.<br /><br />دراسات فيزيائية حول تفاعل الضوء مع الألوان.<br /><br />علم النفس البصري، وتأثير الألوان المتجاورة على العين.<br /><br />كان الهدف من هذه التقنية أن تختلط الألوان بصريًا داخل عين المشاهد، بدلاً من خلطها على لوحة الفنان، وهو ما يعكس تطبيقًا مباشرًا للنظريات العلمية في مجال الإدراك البصري.<br /><br />الفرق بين الانطباعية والانطباعية الجديدة من المنظور العلمي<br />المقارنة الانطباعية الانطباعية الجديدة<br />الأسلوب الفني تلقائي وتعبيري علمي وتحليلي<br />التقنية ضربات فرشاة خفيفة وسريعة نقاط صغيرة منظمة<br />العلاقة بالعلم تأثر عام بنظرية الضوء والرؤية تطبيق منهجي لنظريات الألوان والبصريات<br />الهدف الفني تصوير اللحظة وانعكاس الضوء إنشاء تأثير بصري دقيق قائم على العلم<br />ارتباط المقال بأهداف التنمية المستدامة (الهدف الرابع: التعليم الجيد)<br />يساهم هذا المقال في تحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة: التعليم الجيد، من خلال تقديم محتوى ثقافي وتعليمي يعزز من فهم العلاقة بين الفن والعلم، ويرسّخ أهمية التعليم المتكامل الذي يجمع بين المعرفة العلمية والمهارات الإبداعية. كما يُبرز المقال كيف أن الفنون ليست معزولة عن العلوم، بل تتداخل معها وتستفيد منها، وهو ما يساهم في بناء نظام تعليمي شامل يدعم التفكير النقدي والإبداعي، ويحفّز المتعلمين على الربط بين المجالات المختلفة، وهو من أهم عناصر التعليم الجيد في القرن الحادي والعشرين.<br /><br />خاتمة<br />إن التطور العلمي لعب دورًا كبيرًا في تشكيل الاتجاهات الفنية الحديثة، وكان له تأثير مباشر وواضح على كل من الانطباعية والانطباعية الجديدة. حيث استخدمت الأولى العلم كأداة لفهم الطبيعة بشكل أعمق، بينما حولته الثانية إلى منهج واضح في بناء اللوحة. وهكذا، جسّد الفن والعلم في هاتين المدرستين تداخلًا جميلًا بين الإحساس والعقل، بين التجربة البصرية والعلمية، مما أغنى تاريخ الفن الحديث وجعل منه شاهدًا حيًا على تطور الفكر الإنساني، وأسهم في ترسيخ التعليم النوعي والثقافة المتعددة الأبعاد.<br /><br /><br /><br />جامعة المستقبل الجامعه الاولى في العراق.<br /><br />