في عالم تتعدّد فيه مسارات المعرفة وتتشابك التخصصات، تغدو التجارب التعليمية التي تتقاطع فيها الفنون مع تخصصات غير فنية، مساحات واعدة لاكتشاف الطاقات الكامنة لدى الطلبة. ومن خلال تجربتي في تدريس مادة “عملي الألوان” لطلبة السنة الأولى، القادمين من خلفيات علمية وأكاديمية لا تمت للفن بصلة مباشرة، تكشّف لي كثير من الدروس العميقة حول قدرة الإنسان على التعلم، والانفتاح، والتحول.<br /><br />منذ اللقاء الأول مع هؤلاء الطلبة، كان واضحًا أن أغلبهم لم يسبق لهم التعامل مع اللون، لا كوسيط تعبيري، ولا كأداة تواصل بصري. كانت الفرشاة بالنسبة للبعض شيئًا جديدًا، وعلبة الألوان عالمًا غامضًا. إلا أن ما أثار إعجابي هو فضولهم، وشغفهم المتنامي رغم التردد الأولي. كنت أرى في كل لوحة صغيرة محاولات صادقة، وإن كانت بدائية، للقبض على لحظة جمالية أو فكرة كامنة في الذهن.<br /><br />خلال الأسابيع الأولى، واجه الطلبة صعوبة في التمييز بين قيم اللون، والتدرجات، والعلاقات اللونية. لكن مع التكرار والتشجيع، بدأت ملامح الفهم تتشكّل، وبدأت اللوحات تعكس وعيًا تدريجيًا بعناصر التكوين ومساحات التعبير. كان من المهم ألا أتعامل معهم كفنّانين مبتدئين فحسب، بل كعقول باحثة تحاول التعبير عن نفسها بلغة لم تألفها من قبل.<br /><br />شيئًا فشيئًا، صار الصفّ يتلوّن بالاختلافات، وبات لكل طالب أسلوب خاص في التعامل مع المساحات اللونية. بعضهم لجأ إلى التجريد، وبعضهم إلى محاكاة الطبيعة، وآخرون راحوا يختبرون التناغمات اللونية بحرية وشغف. وما بين التجربة والخطأ، وُلدت أعمال تحمل في طياتها صدقًا لا يخلو من العفوية والدهشة.<br /><br />من أكثر المحطات تأثيرًا في هذه التجربة، كانت لحظة عرض الأعمال وتوثيقها. فقد آمنت بأهمية التوثيق ليس فقط كوسيلة للحفظ، بل كأداة لتقدير الجهد، وتحفيز الطلبة، وتعزيز روح الانتماء للفن. قمت بتجميع الأعمال المميزة، وتصويرها، ووضعها ضمن أرشيف خاص، وآمل في المستقبل أن تُعرض في معرض مصغر داخل القسم، يكون شاهداً على تلك اللحظات التكوينية الأولى.<br /><br />لم يكن النجاح في هذه المادة مرتبطًا بجماليات الشكل فقط، بل بقدرة الطالب على التفاعل مع اللون، وفهمه، والتعبير به. ومن بين الصفحات المليئة بالتمارين، واللوحات التي ربما لم تكتمل، وُجدت شرارات حقيقية، تؤكد أن بعض هؤلاء الطلبة سيمضون في دروب الفن، وربما يصنعون لهم بصمة في عالم التصميم أو الفنون البصرية.<br /><br />إن تدريس الفن لغير الفنانين لا يُعدّ عبئًا، بل فرصة نادرة لإشعال الوعي الجمالي، وتوسيع أفق الإبداع، وغرس بذور الذائقة البصرية. وأنا كأستاذ، وجدت نفسي أتعلم بقدر ما أُعلّم، وأستمدّ من تلك البدايات العفوية روحًا جديدة تعيدني إلى لحظة الاكتشاف الأولى.<br />أهداف الاستدامة المتحققة من هذا المقال:<br />التعليم الجيد (الهدف الرابع)<br />من خلال توفير تجربة تعليمية تفاعلية ومبتكرة لطلبة من تخصصات غير فنية، مما يعزز قدراتهم الإبداعية وينمّي مهارات جديدة لديهم.<br />العمل اللائق ونمو الاقتصاد (الهدف الثامن)<br />عبر تنمية مهارات فنية قد تفتح آفاقًا مهنية جديدة للطلبة مستقبلاً في مجالات التصميم والفنون.<br />الابتكار والبنية التحتية (الهدف التاسع)<br />من خلال تشجيع الطلبة على التفكير الإبداعي والتجريب الفني، مما يعزز ثقافة الابتكار داخل بيئات أكاديمية غير تقليدية.<br /><br />جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .