شهد المجال الطبي خلال العقود الأخيرة تطورًا هائلًا بفضل التقدم في علم الوراثة، وكان من أبرز هذه الإنجازات ظهور مفهوم العلاج الجيني الشخصي، الذي يهدف إلى تصميم علاجات طبية تتناسب مع التركيب الجيني الفريد لكل مريض. هذا النهج الثوري يسعى إلى تحسين فعالية العلاج وتقليل الآثار الجانبية، من خلال فهم أعمق للعوامل الجينية التي تسهم في نشوء الأمراض واستجابات الأفراد للعلاجات المختلفة.<br />مفهوم العلاج الجيني الشخصي<br />العلاج الجيني الشخصي يقوم على تعديل أو تصحيح الجينات المسببة للأمراض داخل خلايا الإنسان. يختلف هذا النهج عن العلاج التقليدي الذي يعتمد على بروتوكولات عامة لجميع المرضى، حيث يتم هنا تحليل الشيفرة الوراثية لكل مريض لتحديد الخلل الجيني بدقة، ومن ثم تصميم علاج يستهدف ذلك الخلل بطريقة مخصصة وفردية.<br />التقنيات المستخدمة<br />أدى تطور تقنيات تحرير الجينات، مثل تقنية كريسبر (CRISPR-Cas9)، إلى فتح آفاق واسعة أمام العلاج الجيني الشخصي. تتيح هذه التقنيات تعديل الجينات بدقة عالية، سواء بإصلاح طفرات جينية معينة أو استبدال جينات معيبة. كما أن التقدم في تقنيات تسليم الجينات، مثل استخدام الفيروسات الناقلة أو الجسيمات النانوية، ساهم في تحسين كفاءة العلاج الجيني وسلامته.<br />تطبيقات سريرية واعدة<br />العلاج الجيني الشخصي حقق تقدمًا ملحوظًا في علاج العديد من الأمراض الوراثية المعقدة، مثل فقر الدم المنجلي، التليف الكيسي، وبعض أنواع السرطان. على سبيل المثال، أظهرت تجارب سريرية استخدام العلاج الجيني لاستهداف طفرات محددة في الأورام، مما أدى إلى تحسين معدلات الاستجابة للعلاج وتقليل الآثار الجانبية مقارنة بالعلاج الكيميائي التقليدي.<br />التحديات المستقبلية<br />على الرغم من الآمال الكبيرة المعقودة على العلاج الجيني الشخصي، إلا أن هناك العديد من التحديات التي تواجه تطبيقه على نطاق واسع. من أبرز هذه التحديات ارتفاع التكاليف، وتعقيد الإجراءات التنظيمية، والمخاوف الأخلاقية المتعلقة بالتلاعب بالجينات. كما أن هناك حاجة مستمرة لمزيد من الأبحاث لضمان سلامة هذه العلاجات وفعاليتها على المدى الطويل.<br />الخاتمة<br />يمثل العلاج الجيني الشخصي نقلة نوعية في الطب الحديث، حيث ينقلنا من مفهوم العلاج الجماعي إلى عصر الطب الدقيق والمخصص. وبينما لا تزال هناك تحديات قائمة، فإن التقدم المستمر في علم الوراثة وتقنيات التحرير الجيني ينبئ بمستقبل واعد، حيث يمكن لكل مريض أن يحصل على علاج مصمم خصيصًا له بناءً على جيناته، مما يفتح آفاقًا جديدة للشفاء وتحسين جودة الحياة.<br />جامعة المستقبل الجامعه الاولى في العراق