<br />في مدن العراق، لا تقتصر الشوارع على كونها ممرات للحياة اليومية، بل تحولت إلى مساحات نابضة بالذاكرة الجمعية، حيث تتداخل مشاهد الحرب مع تعبيرات الفن الشعبي. تتوزع صور الشهداء على الجدران والجسور وأعمدة الإنارة، في لوحات تجمع بين الحزن والجمال، وتحمل في طياتها سرديات وطنية واجتماعية معقدة.<br /><br />تأتي هذه الصور محمّلة بأبعاد جمالية تتجاوز التوثيق الفوتوغرافي، فهي أعمال فنية تندمج فيها عناصر التصميم البصري: من اختيار زوايا الالتقاط، إلى معالجة الألوان، إلى تنسيق الصورة مع الخلفية العمرانية. غالبًا ما يتم إبراز ملامح الشهيد بوضوح، مع خلفيات ترمز إلى النصر أو الفداء، مما يخلق خطابًا بصريًا قويًا يجمع بين الواقعية والأمل.<br /><br />اللافت أن هذه الصور لا تُقدَّم باعتبارها مجرد ذكريات شخصية، بل كرموز جامعة للهوية الوطنية. من منظور فني، يمكن فهم هذه الظاهرة باعتبارها شكلاً من أشكال الفن الجماهيري أو "فن الشارع"، الذي يستخدم الفضاء الحضري كلوحة مفتوحة، تساهم في تشكيل الوعي الجمعي. فالصورة هنا تتحول إلى "نصب بصري"، يربط بين الفرد والشعب، بين الفقدان والكرامة.<br /><br />تنعكس في هذه الصور تأثيرات مدارس فنية متعددة؛ فمنها ما يستلهم الواقعية الرمزية، ومنها ما يجنح نحو التعبيرية المفرطة في استخدام الألوان والدلالات. وفي حالات معينة، يتم دمج عناصر خطية وزخرفية مستوحاة من التراث العراقي، مما يعمّق الأثر العاطفي ويمنح الصورة أبعادًا ثقافية إضافية.<br /><br />في قراءة جمالية لهذه الظاهرة، يمكن القول إن صور الشهداء ليست مجرد أدوات للحزن أو الاستذكار، بل أصبحت وسيلة لإعادة تعريف الفضاء المدني، وجعله مشحونًا بدلالات معنوية. كما أن تكاثر هذه الصور وتحولها إلى معالم مألوفة في الشارع العراقي، يشير إلى كيفية مقاومة النسيان بالفن، وكيفية تحويل الألم الجمعي إلى طاقة رمزية تزيّن وجدان المدينة.<br /><br />إن دراسة جماليات صور الشهداء في شوارع العراق تكشف عن طاقة إبداعية صامتة، تختبئ خلف مظاهر الفقد، وعن حوار خفي بين الفن والحياة، يكتب قصص الحرب بطريقته الخاصة، ويمنح الشهداء حياة جديدة في قلب المدينة.<br /><br /><br />وبذلك، يُسهم هذا المقال في دعم أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف الرابع "التعليم الجيد"، عبر تسليط الضوء على أهمية تعزيز جودة التعليم، ضمان فرص التعلم الشامل والمنصف للجميع، وتمكين الأفراد بالمعرفة والمهارات اللازمة لبناء مستقبل أكثر استدامة وازدهارًا<br /><br /><br />جامعة المستقبل الجامعه الاولى في العراق .