يُشكّل المعنى جوهر العملية الإبداعية في الأدب، وقد تميّز النقد العربي الكلاسيكي باهتمامه العميق بفهم الفروق الدقيقة بين المعنى الشعري والمعنى النثري، إدراكًا منه لأهمية اللغة بوصفها وعاء الفكر ومجالًا للتذوق الجمالي. وقد تناول النقاد العرب القدامى هذه الثنائية في إطار اهتمامهم ببيان وظيفة الأدب، وطبيعة الإبداع، وعلاقة الشكل بالمضمون.<br /><br />من أبرز النقّاد الذين أسهموا في هذا الحقل: عبد القاهر الجرجاني، الذي بنى نظرية بلاغية متكاملة تميّز فيها بين المعنى المألوف والمعنى المنزاح، واعتبر أن الشعر لا يُقاس فقط بوضوح الفكرة، بل بقدرة الشاعر على توليد المعاني من خلال التراكيب والدلالات السياقية. أما الجاحظ، فقد نظر إلى النثر بوصفه أقرب إلى لغة العقل والمنطق، بينما فتح للشعر مجال الخيال والمبالغة والرمز. ومن جهة أخرى، قدم ابن طباطبا العلوي نظرة توازن بين الشكل والمعنى، مؤكدًا أن جودة الشعر لا تكمن في المعنى وحده، بل في طريقة أدائه وإيصال أثره في النفس.<br /><br />إن تمييز المعنى الشعري عن النثري لم يكن فقط لغرض تنظيري، بل كان له دور تربوي وتعليمي في ترسيخ معايير الذوق الأدبي وتعليم الأجيال كيفية التمييز بين أنواع الخطاب وأهدافه. فقد أصبح هذا الفهم أحد أسس تدريس البلاغة والنقد في العالم العربي، وساهم في بناء قدرات الطلبة على التحليل والنقد والتعبير.<br /><br />المقال ضمن أهداف التنمية المستدامة: التعليم الجيد (الهدف الرابع)<br />يأتي هذا المقال مساهمة في تحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، والذي ينص على: "ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع". إذ إن تسليط الضوء على قضايا نقدية من تراثنا الأدبي يندرج ضمن الجهود الرامية إلى تحسين جودة التعليم في مجالات اللغة العربية والأدب، من خلال:<br /><br />تعزيز التفكير النقدي لدى الطلبة والباحثين، عبر تحليل مفاهيم مجردة وتاريخية بأسلوب علمي ممنهج.<br /><br />إثراء المناهج الدراسية بمضامين أدبية ونقدية عربية أصيلة، بدلًا من الاكتفاء بالمناهج التقليدية أو المستوردة.<br /><br />ربط التراث بالواقع المعاصر، مما يسهم في تعزيز الهوية الثقافية والاعتزاز بالمنجز الحضاري العربي.<br /><br />تطوير المحتوى الأكاديمي العربي ليستجيب لمعايير الجودة العالمية في التعليم.<br /><br />من هذا المنطلق، فإن استحضار الفكر النقدي العربي القديم لا يُعدّ ترفًا معرفيًا، بل ضرورة تعليمية تسهم في بناء منظومة تعليمية شاملة، جذرها التراث وامتدادها المستقبل.<br /><br /><br /><br />جامعة المستقبل الجامعه الاولى في العراق .