في قلب التجربة الأدبية، تبرز الشعرية بوصفها جوهر الفنّ وميزته الفارقة. إنها ليست مجرد زخرفة لغوية أو تنميق بياني، بل هي البُعد الجمالي الذي يمنح النص قيمته الإبداعية والتأثيرية. فكل نص أدبي، حتى النثري منه، لا يُعدّ أدبًا بحق إلا إذا توافرت فيه خصائص الشعرية التي تتجاوز المباشرة والتقرير، لتدخل في فضاء اللغة المنزاحة، والإيقاع الداخلي، والرؤية العميقة.<br /><br />أولًا: مفهوم الشعرية<br />يُشير مصطلح "الشعرية" إلى مجموعة الخصائص الفنية والجمالية التي تميز النص الأدبي عن غيره من الخطابات. وهي ليست حكرًا على الشعر، بل تمتد لتشمل الرواية، القصة، المسرحية، وسائر الأجناس الأدبية. فالشعرية تتجلى في طريقة بناء الجمل، واختيار الألفاظ، وتوزيع الصور، وتوظيف الإيقاع، بحيث تتحول اللغة من وسيلة للتوصيل إلى غاية في ذاتها.<br /><br />لقد نظر النقاد العرب القدامى إلى الشعرية بوصفها جوهر الإبداع، وإن لم يستخدموا المصطلح ذاته. فعبد القاهر الجرجاني، من خلال نظريته في النظم، وضع أساسًا متينًا لفهم الشعرية العربية حين رأى أن بلاغة الكلام لا تكمن في الألفاظ وحدها، بل في طريقة تركيبها وانسجامها. وفي العصر الحديث، تطور المفهوم ليأخذ طابعًا نظريًا أكثر وضوحًا، كما عند رومان جاكوبسون الذي جعل من "وظيفة اللغة الشعرية" محورًا لتمييز الأدب عن غيره.<br /><br />ثانيًا: المرجعية الشعرية<br />الشعرية لا تنفصل عن مرجعيتها الفكرية والثقافية. فهي متأثرة بسياقها التاريخي، وبذائقة المجتمع، وبالتقاليد الأدبية السائدة. ومن هنا، فإن فهم الشعرية يختلف من بيئة لأخرى، ومن زمن لآخر. فالشعرية في الأدب الجاهلي ليست كالشعرية في قصيدة الحداثة. والمرجعية العربية الكلاسيكية، بميلها إلى الفصاحة والبيان، تختلف عن المرجعيات الغربية التي قد تميل إلى التفكيك والتجريب.<br /><br />لكنّ هذا التنوع لا يُضعف من قيمة المفهوم، بل يغنيه ويجعله أكثر انفتاحًا على التأويل. فالمرجعية الشعرية تمكّن القارئ من فهم دوافع النص، وتقدير جمالياته في ضوء السياق الذي أُنتج فيه.<br /><br />ثالثًا: الشعرية كمدخل تربوي<br />إن دراسة الشعرية ليست شأنًا نقديًا خالصًا، بل تُعدّ أداة تعليمية فعّالة تُسهم في تطوير مهارات الطلاب في الفهم والتحليل والتذوق. فعندما يتعلّم الطالب كيف يقرأ النص من الداخل، ويكتشف جمالياته، ويتفاعل مع رموزه وإيقاعه، فإنه يرتقي بفكره وذائقته. ولذلك، فإن تضمين الشعرية في المناهج التعليمية يُسهم في بناء وعي لغوي وأدبي، ويعزز الانتماء الثقافي والقدرة على التعبير.<br /><br />خاتمة: من الأدب إلى الاستدامة – الشعرية في خدمة التعليم الجيد<br />إن هذا المقال يأتي في إطار دعم الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة: التعليم الجيد، من خلال:<br /><br />توظيف المفاهيم الأدبية الحديثة في التعليم العربي المعاصر.<br /><br />تنمية الحس الجمالي والقدرة على التفكير النقدي لدى الطلاب.<br /><br />تعزيز المحتوى التعليمي بمضامين أصيلة تجمع بين التراث والتجديد.<br /><br />دعم جودة التعليم الإنساني، بوصفه أداة رئيسة في بناء الفرد الواعي والمجتمع المستدام.<br /><br />فالشعرية ليست مجرد مفهوم نظري، بل هي رؤية تعليمية وفكرية تفتح آفاقًا جديدة للتعلم الإبداعي، وتؤسس لمنظومة تعليمية متكاملة، ترتقي بالذوق والوعي، وتُسهم في تحقيق التنمية الثقافية والمعرفية الشاملة.<br /><br /><br />جامعة المستقبل الجامعه الاولى في العراق.