تحقيقا لاهداف التنمية المستدامة <br />مقالة بعنوان : " ثقافة الاستدامة في حضارة بابل القديمة: نظرة أكاديمية " <br />ا.د. رعد شاكر عبيس / رئيس قسم تقنيات الاشعة <br /><br />مقدمة:<br />تعتبر حضارة بابل القديمة، التي ازدهرت في بلاد ما بين النهرين خلال الألفية الثانية قبل الميلاد، من الحضارات الرائدة التي تركت بصمات واضحة في تاريخ البشرية. وبالإضافة إلى إنجازاتها في مجالات القانون والرياضيات والفلك، يمكننا تلمس جوانب مهمة من "ثقافة الاستدامة" في ممارساتها المختلفة، وإن لم يتم تداول هذا المصطلح بمفهومه الحديث آنذاك. تسعى هذه المقالة الأكاديمية إلى استكشاف هذه الجوانب، وتحليل كيف تعامل البابليون القدماء مع بيئتهم ومواردهم بطرق يمكن اعتبارها مستدامة بالنظر إلى سياقهم التاريخي والتقني.<br />إدارة المياه والزراعة المستدامة:<br />شكل نهرا دجلة والفرات شريان الحياة لحضارة بابل، وكانت إدارة المياه بكفاءة أمراً بالغ الأهمية لبقائها وازدهارها. طور البابليون شبكات واسعة من القنوات والترع والسدود لتنظيم تدفق المياه للري والشرب. ويشير قانون حمورابي بوضوح إلى الاهتمام بصيانة هذه البنية التحتية المائية وحمايتها، مما يعكس وعياً بأهمية هذا المورد الحيوي واستدامته على المدى الطويل. كما تنوعت المحاصيل الزراعية لتشمل الشعير والقمح والتمور والخضروات، مما ساهم في تحقيق الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على محصول واحد. وقد استخدموا تقنيات زراعية متقدمة في ذلك الوقت، مثل تناوب المحاصيل والاعتناء بالتربة، للحفاظ على خصوبتها.<br />الاستخدام الحكيم للموارد الطبيعية:<br />على الرغم من محدودية بعض الموارد الطبيعية في بيئتهم، أظهر البابليون القدماء براعة في استخدام الموارد المتاحة بحكمة. استخدموا الطين كمادة أساسية في البناء وصناعة الأواني، وهو مورد وفير في المنطقة. كما استفادوا من القصب والأخشاب المتوفرة في صناعات متنوعة. وتدل الآثار المكتشفة على وجود تبادل تجاري نشط مع المناطق المجاورة لجلب موارد أخرى مثل المعادن والأحجار الكريمة، مما يشير إلى فهمهم لأهمية تنويع مصادرهم وعدم استنزاف الموارد المحلية بشكل مفرط.<br />التخطيط الحضري والنظرة البيئية:<br />على الرغم من أن مفهوم التخطيط الحضري المستدام بالمعنى الحديث لم يكن موجوداً، إلا أن بعض جوانب التخطيط في بابل القديمة يمكن اعتبارها ذات صلة بالاستدامة. تميزت المدينة بتصميم يراعي سهولة الوصول إلى المياه وتصريفها، فضلاً عن تنظيم المساحات السكنية والتجارية. كما أن وجود الحدائق، مثل حدائق بابل المعلقة التي تعتبر إحدى عجائب الدنيا القديمة، يشير إلى تقدير للجمال الطبيعي وإدراك لأهمية المساحات الخضراء في البيئة الحضرية.<br />التحديات والدروس المستفادة:<br />لم تخلُ حضارة بابل القديمة من تحديات بيئية. فقد واجهت فترات من الجفاف والفيضانات وتملح التربة نتيجة للري المكثف. كما أن النمو السكاني والضغط على الموارد كان يمثل تحدياً مستمراً. ومع ذلك، فإن استمرار هذه الحضارة لفترة طويلة نسبياً يدل على قدرتها على التكيف وإيجاد حلول لهذه التحديات.<br />الخلاصة:<br />إن دراسة حضارة بابل القديمة تقدم لنا رؤى قيمة حول كيف يمكن للمجتمعات القديمة أن تطور ممارسات تساهم في استدامتها. على الرغم من اختلاف السياق التاريخي والتقني، فإن تركيز البابليين على الإدارة الحكيمة للمياه، والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية، والنظرة البيئية في تخطيطهم الحضري، كلها جوانب يمكن أن تلهمنا في سعينا نحو تحقيق الاستدامة في عالمنا المعاصر. إن فهم كيف تعاملت حضارات الماضي مع بيئتها يمكن أن يقدم دروساً قيمة ويساعدنا في مواجهة التحديات البيئية الراهنة والمستقبلية.<br />______________<br />جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق