في عالم يتسارع فيه التطور التكنولوجي والطبي، تظهر الحاجة الملحّة إلى أدوات دقيقة تساعد في الكشف المبكر عن الأمراض، متابعة الحالة الصحية، وتقييم فعالية العلاجات. من بين هذه الأدوات تبرز المؤشرات الحيوية (Biomarkers) كأحد أهم الركائز الحديثة في الطب والعلوم الحياتية. إلا أن أهمية المؤشرات الحيوية لا تقتصر على الجانب الطبي فحسب، بل تمتد لتربط الكيمياء الحياتية بمفاهيم الاستدامة في الصحة العامة، البيئة، والاقتصاد.<br /><br />المؤشرات الحيوية ودورها في الكيمياء الحياتية<br />المؤشر الحيوي هو جزيء قابل للقياس، يشير إلى حالة بيولوجية معينة أو عملية مرضية أو استجابة علاجية. تشمل المؤشرات الحيوية أنواعًا متعددة مثل البروتينات، الأحماض النووية، الإنزيمات، والجزيئات الأيضية. وهنا يأتي دور الكيمياء الحياتية التي تفسر وتحلل هذه الجزيئات وتحدد آليات تفاعلها داخل الجسم.<br />الكيمياء الحياتية تزود الباحثين بالأدوات لفهم كيفية تغيّر المؤشرات الحيوية في حالات مثل السرطان، السكري، وأمراض القلب. على سبيل المثال، يُستخدم الهيموغلوبين السكري (HbA1c) كمؤشر حيوي لمراقبة معدلات السكر في الدم على المدى الطويل، وهو مثال حي على توظيف الكيمياء الحياتية في تطوير مؤشرات دقيقة وفعالة.<br /><br />المؤشرات الحيوية كأداة لتحقيق الاستدامة الصحية<br />الاستدامة في قطاع الصحة تعني تقديم خدمات صحية فعّالة، مستدامة التكلفة، وتقلل من الأثر البيئي. تلعب المؤشرات الحيوية دوراً محورياً في تحقيق هذا الهدف من خلال:<br />1. التشخيص المبكر وتقليل التكاليف: باستخدام المؤشرات الحيوية، يمكن الكشف عن الأمراض في مراحلها الأولى، مما يقلل من الحاجة إلى علاجات مكلفة وطويلة الأمد.<br />2. الطب الشخصي (Personalized Medicine): المؤشرات الحيوية تتيح تطوير علاجات مصممة خصيصًا للفرد، ما يزيد من فعالية العلاج ويقلل من الهدر الدوائي.<br />3. مراقبة التأثير البيئي: يمكن استخدام المؤشرات الحيوية في الكائنات الحية لمراقبة تلوث البيئة، مثل قياس تراكم المعادن الثقيلة أو الملوثات العضوية في الأنسجة الحيوية.<br /><br />دور المؤشرات الحيوية في دعم الاستدامة البيئية والاقتصادية<br />من منظور أوسع، تُستخدم المؤشرات الحيوية في تقييم النظم البيئية، حيث يمكن تحديد صحة الأنظمة البيئية من خلال دراسة مؤشرات مثل نشاط الإنزيمات في التربة أو وجود جزيئات معينة في النباتات. وهذا يسهم في:<br />• المراقبة المستدامة للبيئة: تقييم جودة المياه، التربة، والهواء بوسائل غير مكلفة مقارنة بالطرق التقليدية.<br />• دعم السياسات البيئية: تقديم بيانات دقيقة لصنّاع القرار تساعدهم في تبني سياسات أكثر فاعلية لحماية البيئة.<br /><br />إن المؤشرات الحيوية تمثل جسرًا مهمًا بين العلوم البيولوجية والبيئية والاقتصادية، حيث تسهم في تعزيز الصحة العامة، ومراقبة النظم البيئية، وتوجيه السياسات نحو الاستدامة. ومن خلال الكيمياء الحياتية، يمكن تطوير مؤشرات أكثر دقة وفعالية، ما يجعلها أدوات لا غنى عنها في المستقبل المستدام الذي ننشده<br /><br />جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق