م.م علي حسين جابر <br />في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجال التعليم العالي، أصبح من الضروري أن تعمل الدول، ومنها العراق، على تطوير أنظمتها التعليمية لتتوافق مع المعايير العالمية الحديثة. ومن أبرز النماذج الناجحة في هذا السياق هو مسار بولونيا، الذي انطلق في عام 1999 بهدف توحيد التعليم الجامعي في أوروبا وجعله أكثر تكاملاً ومواءمة لسوق العمل العالمي. يكتسب هذا المسار أهمية خاصة بالنسبة للعراق، في وقت يسعى فيه إلى النهوض بمؤسساته الأكاديمية وتحسين جودة مخرجاتها.<br />يعتمد مسار بولونيا على نظام ثلاثي للدرجات الأكاديمية، يبدأ بالبكالوريوس ثم الماجستير فالدكتوراه، إلى جانب نظام النقاط الأوروبية (ECTS) الذي يُسهم في تسهيل تنقل الطلبة بين الجامعات المختلفة. كما يولي هذا المسار اهتماماً كبيراً لضمان الجودة والتقييم المستمر للمؤسسات الأكاديمية. من هنا، فإن تطبيق مسار بولونيا في العراق يمكن أن يمثل خطوة حاسمة في تحسين جودة التعليم الجامعي وتعزيز مصداقية الشهادات العراقية على الصعيدين الإقليمي والدولي.<br />من أبرز الفوائد المتوقعة لتطبيق هذا المسار هو تسهيل الاعتراف الدولي بالشهادات الجامعية العراقية، مما يمنح الخريجين فرصاً أكبر لإكمال دراساتهم العليا أو العمل خارج البلاد. كما يعزز هذا النظام من قابلية تنقل الطلبة وأعضاء هيئة التدريس، مما يُسهم في بناء شراكات أكاديمية وبحثية عابرة للحدود. بالإضافة إلى ذلك، فإن ربط البرامج التعليمية بحاجات سوق العمل، كما يدعو إليه المسار، يفتح المجال أمام الجامعات العراقية لتطوير مناهج مرنة تواكب التطورات الاقتصادية وتزود الطلبة بالمهارات التطبيقية المطلوبة.<br />لكن رغم هذه الفوائد، يواجه العراق تحديات كبيرة في تطبيق هذا النظام. فضعف البنية التحتية في بعض الجامعات، وغياب التدريب الكافي لأعضاء الهيئة التدريسية على أساليب التعليم الحديثة، يشكلان عقبتين رئيسيتين. كما أن بعض المؤسسات قد تُبدي مقاومة للتغيير بسبب التقاليد التعليمية المتوارثة. يُضاف إلى ذلك عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي قد يؤثر على استمرارية تنفيذ الإصلاحات.<br />ومع ذلك، فإن تطبيق مسار بولونيا في العراق يظل خياراً استراتيجياً ينبغي المضي فيه تدريجياً، وبدعم واضح من الحكومة والمؤسسات الأكاديمية والمجتمع. فهو لا يقدم فقط نموذجاً لتطوير التعليم، بل يمثل بوابة حقيقية لانفتاح الجامعات العراقية على العالم، وتعزيز مكانتها العلمية، ورفع مستوى الخريجين بما يتناسب مع طموحات التنمية والنهضة الشاملة التي ينشدها البلد.