تُعد الخرسانة من أكثر المواد استخدامًا في البناء على مستوى العالم، إلا أنها تعاني من مشكلات جوهرية، أبرزها التشققات الدقيقة التي تؤدي مع مرور الوقت إلى تدهور البنية التحتية، تسرب المياه، وتآكل حديد التسليح. ومع تزايد الحاجة إلى حلول مستدامة تقلل من التكاليف والصيانة، برزت تقنية مبتكرة تُعرف بالخرسانة ذاتية الترميم. وهي نوع من الخرسانة الذكية القادرة على إصلاح التشققات الدقيقة تلقائيًا دون تدخل بشري، من خلال دمج مواد فعالة داخل الخليط الخرساني مثل الكبسولات الدقيقة المحتوية على البكتيريا أو البوليمرات أو المواد اللاصقة التي تنشط عند تعرضها للماء أو الهواء بسبب الشقوق.<br />آلية العمل تشمل ثلاث تقنيات رئيسية:<br /><br />الترميم الحيوي: يستخدم أنواعًا خاصة من البكتيريا مثل Bacillus التي تُدمج مع الخرسانة ومغذياتها مثل اللاكتات. وعند تسرب الماء إلى الشقوق، تنشط هذه البكتيريا وتفرز كربونات الكالسيوم التي تملأ الفجوات وتغلقها.<br /><br />الترميم الكيميائي: يعتمد على كبسولات تحتوي على راتنجات أو مواد تفاعلية تنفجر عند حدوث شقوق، فتملأها فورًا وتمنع انتشارها.<br /><br />الترميم الذاتي بالترطيب: يستفيد من خصائص الأسمنت غير المميّه بالكامل، حيث يعيد التفاعل مع الرطوبة المتسللة عملية التصلب داخل الشقوق وسدها.<br />من منظور الاستدامة، تمثل هذه التقنية نقلة نوعية لأنها تقلل من الحاجة إلى الصيانة، وتطيل عمر البنى التحتية، وتخفض استهلاك الموارد والانبعاثات الكربونية المرتبطة بإنتاج الخرسانة الجديدة، رغم ارتفاع كلفتها الأولية.<br />تُستخدم الخرسانة ذاتية الترميم في تطبيقات هندسية ومعمارية عالية الحساسية، مثل الجسور والأنفاق، السدود والمنشآت المائية، المباني الذكية، وواجهات الأبنية المعرضة للتغيرات المناخية.<br />لكن رغم فوائدها الكبيرة، لا تزال تواجه تحديات مثل ارتفاع تكلفة الإنتاج مقارنةً بالخرسانة التقليدية، محدودية الترميم في حالات الشقوق الواسعة، والحاجة إلى دراسات ميدانية طويلة الأمد لتقييم أداء الترميم الحيوي في بيئات مختلفة.<br />في الختام، تمثل الخرسانة ذاتية الترميم ثورة حقيقية في مجال مواد البناء، إذ تجسد كيف يمكن للتقنية والعلوم الحديثة أن تلتقي في خدمة الاستدامة والعمران. ومع تطور تقنيات النانو والتكنولوجيا الحيوية، نقترب من مستقبل تُرمم فيه المواد ذاتها، وتُطيل من عمر الأرض التي نقف عليها.<br /><br />جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .