في ظل الثورة التكنولوجية المتسارعة، تغيّرت ملامح التحقيقات الجنائية بشكل جذري. لم تعد الجرائم تُحل فقط عبر بصمات الأصابع أو شهود العيان، بل أصبحت الأدلة الرقمية والمصادر الإلكترونية عناصر أساسية في كشف الحقيقة. هذا التداخل بين علم الأدلة الجنائية والتكنولوجيا خلق فرصًا كبيرة، ولكنه في الوقت نفسه طرح تحديات قانونية وأخلاقية معقدة.<br /><br />أولاً: التحول نحو الأدلة الرقمية<br />مع الانتشار الواسع لاستخدام الإنترنت والأجهزة الذكية، بات من الممكن تتبع خطوات الجناة من خلال سجلات الهواتف، وبيانات المواقع، وتطبيقات المراسلة، وحتى الكاميرات الذكية. أصبحت الأدلة الرقمية مثل رسائل البريد الإلكتروني، وسجلات المتصفح، وملفات النظام، أدوات قوية في يد المحققين الجنائيين.<br /><br />أمثلة على الأدلة الرقمية:<br />تحليلات بيانات الهاتف المحمول (SMS، مكالمات، مواقع GPS).<br /><br />سجلات الخوادم والبريد الإلكتروني.<br /><br />كاميرات المراقبة المرتبطة بالإنترنت (CCTV).<br /><br />ملفات تعريف المستخدم الرقمية (Digital Fingerprint).<br /><br />ثانياً: الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات<br />أدى إدخال الذكاء الاصطناعي وتقنيات تعلم الآلة إلى إحداث نقلة نوعية في تحليل الأدلة. بات من الممكن استخدام الخوارزميات لتحليل كميات هائلة من البيانات خلال وقت قصير، والتعرف على أنماط قد تعجز العين البشرية عن ملاحظتها.<br /><br />استخدامات الذكاء الاصطناعي في الأدلة الجنائية:<br />التعرف على الوجه والصوت.<br /><br />التنبؤ بمواقع الجرائم المستقبلية عبر تحليل البيانات السابقة (Predictive Policing).<br /><br />تحليل تسجيلات الفيديو بشكل آلي.<br /><br />كشف التزوير في المستندات الرقمية.<br /><br />ثالثاً: التحديات القانونية والأخلاقية<br />رغم كل ما سبق، فإن الاعتماد على التكنولوجيا يفرض تحديات مهمة، أبرزها:<br /><br />قابلية قبول الأدلة الرقمية أمام المحكمة، إذ تختلف قوانين الدول في مدى اعترافها بها.<br /><br />انتهاك الخصوصية عند جمع البيانات من دون إذن قانوني.<br /><br />احتمالية التلاعب بالأدلة الرقمية، ما يتطلب وسائل تحقق دقيقة ومصداقية عالية في أدوات التحليل.<br /><br />رابعاً: ضرورة تطوير الكوادر<br />إن تكنولوجيا الأدلة الجنائية تتطلب كوادر بشرية مدربة تجمع بين المعرفة التقنية والفهم القانوني. لذلك، أصبح من الضروري إدراج مواد مثل أمن المعلومات، وتحليل البيانات، والتحقيق الرقمي ضمن مناهج التعليم الجامعي للمتخصصين في هذا المجال.<br /><br />الخاتمة<br />في عالم يتغير فيه كل شيء بسرعة، لا يمكن للأدلة الجنائية أن تبقى أسيرة الطرق التقليدية. التقدم التكنولوجي لا يقدم فقط أدوات جديدة للتحقيق، بل يفرض على المؤسسات العدلية التكيف مع واقع رقمي جديد. ومن هنا، فإن التوازن بين الدقة التقنية والأمان القانوني يشكّل جوهر العدالة في القرن الحادي والعشرين.<br /><br />جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق