يُعد تحديد المشتبه بهم خطوة محورية في أي تحقيق جنائي، فهو يُمثّل البداية الفعلية لفك لغز الجريمة. ورغم أن هذه العملية كانت تعتمد في الماضي على الشهود والأدلة المادية فقط، إلا أن التطور التكنولوجي أضاف لها أدوات رقمية دقيقة جعلت تحديد المشتبه بهم أكثر كفاءة ودقة. ومع ذلك، فإن هذا التطور يفرض تحديات قانونية وأخلاقية يجب مواجهتها بحذر.<br /><br />أولاً: مفهوم "المشتبه به"<br />المشتبه به هو شخص يُعتقد بناءً على أدلة أو مؤشرات أولية أنه قد يكون متورطًا في ارتكاب جريمة.<br />ولا يعني الاشتباه الإدانة، بل يتطلب جمع أدلة كافية لتأكيد أو نفي هذه الفرضية.<br /><br />ثانيًا: وسائل تحديد المشتبه بهم تقليديًا<br />قبل دخول التكنولوجيا إلى ميدان التحقيق، كانت الوسائل المستخدمة تشمل:<br /><br />أقوال الشهود: حيث يُدلي الأشخاص الذين شهدوا الجريمة أو لاحظوا تحركات مشبوهة بأوصاف أو أسماء.<br /><br />البصمات: مقارنة البصمات في مسرح الجريمة مع سجلات المشتبه بهم.<br /><br />التحقيقات الميدانية: من خلال البحث في سجل الشخص، دوافعه، علاقته بالضحية أو بمكان الحادث.<br /><br />الصور الجنائية: اعتمادًا على أوصاف الشهود أو رسومات تقريبية للوجه.<br /><br />ثالثًا: الثورة الرقمية وتحديد المشتبه بهم<br />أحدثت التكنولوجيا نقلة نوعية في هذا المجال، وأصبحت الشرطة تستخدم تقنيات متقدمة لتحديد هوية المشتبه بهم بدقة، ومنها:<br /><br />1. كاميرات المراقبة وتحليل الفيديو<br />التقاط صور الجناة وتحليل ملامح وجوههم باستخدام برامج الذكاء الاصطناعي.<br /><br />تتبع تحركاتهم عبر المدينة باستخدام أنظمة المراقبة المتصلة.<br /><br />2. تحليل البيانات الرقمية<br />مراجعة سجلات الهاتف والموقع الجغرافي (GPS).<br /><br />استخراج معلومات من وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل الإلكترونية.<br /><br />استخدام بيانات بطاقات الدفع لتتبع تحركات المشتبه به.<br /><br />3. التعرف على الوجوه والبصمات البيومترية<br />مطابقة صورة وجه مع قاعدة بيانات جنائية.<br /><br />مقارنة بصمة إصبع أو بصمة عين بمعلومات مخزنة في أنظمة حكومية.<br /><br />4. تحليل الحمض النووي (DNA)<br />أخذ عينات بيولوجية من مسرح الجريمة وربطها بمشتبه بهم عبر قواعد البيانات الوراثية.<br /><br />رابعًا: التحديات القانونية والأخلاقية<br />رغم التقدم الكبير، إلا أن تحديد المشتبه بهم باستخدام هذه الوسائل يطرح عدة قضايا:<br /><br />الخصوصية: هل يحق للجهات الأمنية الوصول إلى بيانات شخصية دون إذن؟<br /><br />الخطأ في الهوية: قد تؤدي الأخطاء في خوارزميات الذكاء الاصطناعي إلى اتهام أبرياء.<br /><br />التحامل والتمييز: بعض التقنيات تُظهر نتائج أقل دقة لفئات سكانية معينة.<br /><br />الاستخدام غير القانوني للبيانات: مثل مشاركة بيانات حساسة دون مبرر قانوني.<br /><br />خامسًا: التوازن المطلوب<br />لا يمكن الاستغناء عن التقنيات الحديثة في تحديد المشتبه بهم، لكنها يجب أن تُستخدم ضمن إطار قانوني منظم، بحيث تشمل:<br /><br />الحصول على إذن قضائي عند الضرورة.<br /><br />وضع ضوابط لاستخدام قواعد البيانات البيومترية.<br /><br />إجراء تدقيق دوري لضمان نزاهة استخدام التقنية.<br /><br />حماية حقوق المشتبه بهم وضمان افتراض البراءة حتى إثبات العكس.<br /><br />الخاتمة<br />تحديد المشتبه بهم يمثل حجر الزاوية في الوصول إلى الحقيقة الجنائية، والتكنولوجيا الحديثة قدمت أدوات قوية تدعم هذا الهدف. ومع ذلك، فإن نجاح هذه العملية لا يُقاس فقط بسرعة تحديد الجناة، بل أيضًا بقدرتها على احترام الحقوق والضمانات القانونية. التقدم لا يجب أن يكون على حساب العدالة، بل في خدمتها.<br /><br />جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق