في عصر الرقمنة، أصبحت البيانات الشخصية والجنائية حجر الأساس في التحقيقات، بدءًا من الأدلة الرقمية إلى التحليلات البيومترية. ومع تزايد اعتماد السلطات على قواعد البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، تبرز مسألة حماية هذه البيانات من التسريب أو الاستغلال كقضية محورية تمس حقوق الأفراد، ومصداقية العدالة، وثقة المجتمع في النظام القانوني.<br /><br />أولًا: أنواع البيانات المستخدمة في التحقيقات<br />تشمل التحقيقات الجنائية الحديثة مجموعة واسعة من البيانات التي تتطلب حماية دقيقة:<br /><br />البيانات الشخصية للمشتبه بهم والشهود (الاسم، العنوان، رقم الهوية...)<br /><br />الصور ومقاطع الفيديو من كاميرات المراقبة<br /><br />البيانات الرقمية مثل سجلات الهاتف، البريد الإلكتروني، الحسابات البنكية<br /><br />البيانات البيومترية كالبصمات، التعرف على الوجه، الحمض النووي (DNA)<br /><br />مضامين التحقيقات والتقارير السرية<br /><br />ثانيًا: مخاطر التسريب والاستغلال<br />عند غياب الحماية الكافية، يمكن أن تتعرض هذه البيانات لمخاطر خطيرة:<br /><br />1. التسريب إلى وسائل الإعلام<br />– نشر صور أو معلومات غير مؤكدة عن المشتبه بهم يضر بسمعتهم ويخالف مبدأ افتراض البراءة.<br /><br />2. الاستغلال التجاري أو السياسي<br />– استخدام بيانات التحقيقات للتأثير على الرأي العام أو استهداف أفراد لأغراض غير قانونية.<br /><br />3. الاختراق السيبراني<br />– تعرض قواعد البيانات الجنائية للاختراق من قبل قراصنة للحصول على معلومات حساسة.<br /><br />4. سوء الاستخدام الداخلي<br />– موظفون في الأجهزة الأمنية أو الجهات القضائية قد يسيئون استخدام الصلاحيات لأغراض شخصية أو مادية.<br /><br />ثالثًا: القوانين والضوابط لحماية البيانات<br />العديد من الأنظمة القانونية المتقدمة تفرض قوانين صارمة لحماية البيانات الجنائية، مثل:<br /><br /> في الاتحاد الأوروبي:<br />يخضع استخدام البيانات لقانون GDPR، الذي ينص على:<br /><br />جمع البيانات لأغراض مشروعة فقط.<br /><br />تقييد الوصول إليها.<br /><br />إخطار الأفراد في حال تسريب بياناتهم.<br /><br />فرض غرامات مالية كبيرة في حال الإهمال.<br /><br /> في الدول الأخرى:<br />تختلف القوانين، لكن تُطالب الهيئات القضائية بتطبيق مبادئ الحماية مثل:<br /><br />التشفير الكامل للبيانات الحساسة.<br /><br />تحديد من يحق له الوصول إلى المعلومات.<br /><br />تتبع عمليات الدخول إلى قواعد البيانات.<br /><br />وجود لجنة رقابية مستقلة.<br /><br />رابعًا: دور الجهات الأمنية والقضائية<br />لمنع التسريب والاستغلال، يجب على الجهات المختصة:<br /><br />استخدام أنظمة آمنة ومشفّرة لحفظ البيانات.<br /><br />تدريب الموظفين على حماية الخصوصية الرقمية.<br /><br />مراجعة سجلات الوصول لضمان عدم التلاعب.<br /><br />فرض عقوبات على من يتورط في تسريب أو استغلال البيانات.<br /><br />وضع سياسات واضحة للمدة الزمنية لحفظ البيانات ومن له الحق في حذفها أو أرشفتها.<br /><br />خامسًا: ثقة المجتمع على المحك<br />عندما يشعر المواطن أن بياناته يمكن أن تُستغل أو تُسرّب، فإن الثقة بالمؤسسات الأمنية والقضائية تهتز. ولذلك، فإن حماية البيانات ليست فقط مسؤولية قانونية، بل واجب أخلاقي يعزز الشعور بالعدالة والأمان في المجتمع.<br /><br />الخاتمة<br />حماية البيانات من التسريب أو الاستغلال في التحقيقات الجنائية ليست ترفًا تقنيًا، بل ضرورة أساسية لضمان الحقوق، واحترام الكرامة الإنسانية، وترسيخ سيادة القانون. لا يمكن تحقيق العدالة الحقيقية إلا في بيئة تحترم الخصوصية وتؤمن بأمانة التعامل مع المعلومات.<br /><br />جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق