في العصر الرقمي، لم تعد الجرائم تترك وراءها آثارًا مادية فحسب، بل باتت تُرتكب عبر الحواسيب، الهواتف الذكية، أو حتى الخوادم البعيدة. وهنا يُعرف ما يُسمى بـ "مسرح الجريمة الرقمي"، وهو البيئة التقنية التي تحتوي على أدلة إلكترونية محتملة (مثل أنظمة التشغيل، قواعد البيانات، الملفات، سجلات الشبكة).<br />وتقع مسؤولية تأمين هذا المسرح على عاتق فريق مشترك من خبراء الأمن السيبراني ومحققي الأدلة الجنائية الرقمية.<br /><br />أولًا: ما هو مسرح الجريمة الرقمي؟<br />هو أي نظام معلوماتي (حاسوب، خادم، شبكة، جهاز محمول) يُعتقد أنه:<br /><br />تم استخدامه لتنفيذ جريمة إلكترونية.<br /><br />يحتوي على أدلة رقمية.<br /><br />تعرض للاختراق أو التلاعب.<br /><br />مثال: جهاز كمبيوتر استُخدم لنشر برمجيات خبيثة، أو خادم شركة تم اختراقه وسرقة بيانات منه.<br /><br />ثانيًا: مسؤوليات خبراء الأمن السيبراني<br />يُركز دورهم على حماية البنية التحتية الرقمية وضمان عدم فقدان الأدلة. تشمل مسؤولياتهم:<br /><br />عزل النظام المصاب بسرعة<br />لمنع انتشار الاختراق أو حذف الأدلة.<br /><br />التقاط صورة من النظام (Disk Imaging)<br />لإنشاء نسخة طبق الأصل لاستخدامها في التحقيق دون التلاعب بالأصل.<br /><br />تأمين الشبكة<br />من خلال قطع الاتصال الخارجي، وتعطيل الحسابات المشبوهة مؤقتًا.<br /><br />جمع السجلات والأدلة الأولية<br />مثل سجلات الدخول (Log files)، إشعارات النظام، ومراقبة الأنشطة غير الطبيعية.<br /><br />التعاون الفني مع المحققين الجنائيين<br />لتقديم التفسير الفني للهجمات ومصادرها المحتملة.<br /><br />ثالثًا: مسؤوليات محققي الأدلة الجنائية الرقمية<br />يُركز دورهم على جمع وتحليل وتوثيق الأدلة الرقمية وفقًا للمعايير القانونية. ومن مسؤولياتهم:<br /><br />الحفاظ على سلامة الأدلة (Chain of Custody)<br />لضمان قبولها لاحقًا في المحكمة دون تشكيك في صحتها.<br /><br />استخدام أدوات الطب الشرعي الرقمي<br />مثل: EnCase، FTK، Autopsy، x64dbg لتحليل محتويات الأجهزة.<br /><br />تحليل الزمن (Timeline Analysis)<br />لفهم تسلسل الأحداث وتحديد وقت حدوث الهجوم.<br /><br />استخلاص الأدلة من مصادر متعددة<br />مثل البريد الإلكتروني، البيانات المشفّرة، السجلات المحذوفة، الصور.<br /><br />كتابة تقارير جنائية تفصيلية<br />تكون مفهومة للقانونيين، وتصلح للمرافعة أمام المحكمة.<br /><br />رابعًا: التحديات المشتركة<br />التحدي التفسير<br />🕒 الوقت الحرج ضرورة التحرك السريع قبل أن تُفقد الأدلة بسبب التشغيل الآلي أو الإزالة الذاتية.<br />🔄 اختلاف المهام خبراء الأمن يركزون على "الوقاية"، أما المحققون فيركزون على "الإثبات".<br />⚖️ الاعتبارات القانونية عدم الالتزام بالإجراءات يمكن أن يؤدي لرفض الأدلة في المحكمة.<br />🧠 نقص التدريب في بعض المؤسسات، لا يمتلك أحد الفريقين خبرة كافية في المجال الآخر.<br /><br />خامسًا: أفضل الممارسات لتأمين مسرح الجريمة الرقمي<br />إيقاف التهديد دون إيقاف النظام بالكامل<br />(للحفاظ على الذاكرة الحية وبيانات الشبكة).<br /><br />التوثيق الدقيق لكل خطوة<br />من جمع الأدلة وحتى تحليلها، لضمان السلسلة القانونية.<br /><br />فصل المهام بين الفريقين بوضوح<br />مع تحديد نقاط التواصل بينهم.<br /><br />توفير بيئة اختبارية آمنة (Sandbox)<br />لتحليل البرمجيات المشبوهة دون تعريض الأنظمة للخطر.<br /><br />خاتمة<br />إن تأمين مسرح الجريمة الرقمي يتطلب تعاونًا وثيقًا بين خبراء الأمن السيبراني ومحققي الأدلة الجنائية الرقمية. فكل طرف يكمّل الآخر في سبيل الحفاظ على الأدلة، فهم الهجوم، وتقديم الجناة إلى العدالة. ومع تطور الهجمات الإلكترونية، بات هذا التعاون ضرورة لا غنى عنها لضمان أمن البيانات وتحقيق العدالة الرقمية.<br /><br />جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق