منذ القدم، انجذب الإنسان إلى السماء، فرفع بصره ليتتبع نجومًا وكواكب أبعد مما تطاله يده. لكنه كثيرًا ما غفل عن أعظم الأسرار التي تكمن أقرب إليه من أي نجم، بل تحت أقدامه مباشرة، في الأعماق الزرقاء السحيقة التي تغطي معظم كوكبنا. اليوم، ومع ثورة التصاميم الهندسية وتقنيات النانو، بدأنا نفتح عيوننا على كنوز خفية تحت سطح البحر، كنوز لا تقل سحرًا ولا أهمية عن أي حلم في المريخ أو زحل.<br /><br />الخامات والتقنيات النانوية أصبحت بمثابة مفاتيح لفتح بوابات المحيط. فعلى سبيل المثال، تواجه المعدات في الأعماق البحرية ضغطًا هائلًا، وكلما غصنا نحو القاع ارتفع الضغط بشكل مخيف. عند عمق 11,000 متر، يعادل الضغط نحو 1,100 مرة الضغط الجوي، كأن الأرض كلها تضغط فوق الغواصة. لذلك، ابتكر المهندسون تصاميم مستديرة وسبائك معدنية خاصة تعمل على توزيع الضغط بالتساوي، وتمنع الانهيار. ومع دخول تقنيات النانو في معالجة المعادن، بات بالإمكان تصنيع هياكل أقوى وأخف وزنًا وأكثر مقاومة، ما يتيح الاستكشاف في أعماق لم يكن الوصول إليها ممكنًا من قبل.<br /><br />من جهة أخرى، تُمثل الملوحة العالية تحديًا كبيرًا في البيئات البحرية، حيث تؤدي إلى التآكل السريع للمعادن. لكن باستخدام الطلاءات النانوية الذكية، يمكن سد الفجوات المجهرية ومنع تسرب المياه المالحة إلى البنية الداخلية. بل إن بعض المواد النانوية أصبحت قادرة على ترميم نفسها تلقائيًا عند حدوث أي تلف، في ظاهرة تُشبه التئام الجلد البشري.<br /><br />أما في أعماق تتجاوز 200 متر حيث يختفي ضوء الشمس، تظهر أهمية الابتكارات البصرية النانوية. فقد طورت الكاميرات الحديثة مستشعرات ضوئية نانوية تستطيع التقاط حتى أضعف إشعاعات الفوتون في الظلام التام، بينما تستخدم ليزرات زرقاء نانوية لاختراق المياه بكفاءة عالية، ما يتيح إنشاء صور ثلاثية الأبعاد دقيقة للكهوف والتضاريس البحرية.<br /><br />وتُعد الروبوتات الغاطسة الذكية واحدة من أهم الإنجازات في هذا المجال. فبفضل رقائق التحكم الدقيقة المبنية على تقنيات النانو، أصبح بالإمكان تصنيع مركبات غاطسة صغيرة تعمل ضمن أسراب، تتبادل المعلومات والخرائط في الوقت الفعلي، وتستكشف البيئات الخطرة بأقل تدخل بشري ممكن.<br /><br />وعندما نتحدث عن كنوز البحار، لا ينبغي أن نحصر المعنى في الذهب والياقوت المغمور في حطام السفن، بل إن أعظم الكنوز تكمن في الأنظمة البيئية الفريدة التي تضم مخلوقات لم ترها عين بشرية من قبل، والتي قد تحمل في طياتها أسرارًا دوائية مذهلة لعلاج أمراض مستعصية مثل السرطان. هذا فضلًا عن المعادن النادرة التي تُعد ضرورية لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية، والهواتف الذكية، وتقنيات الطاقة المتجددة.<br /><br />من المفارقات المؤلمة أن البشرية أنفقت مئات المليارات لتطوير صواريخ فضائية واستكشاف الكواكب البعيدة بحثًا عن الماء، بينما لم تكتشف حتى الآن سوى أقل من 20% من محيطاتها، رغم أنها تشكل أكثر من 70% من سطح الأرض. لقد تطورت لدينا بدلات فضائية متقدمة، ونظم دعم حياة فعالة، لكن لم نمنح ذات القدر من الاهتمام لتطوير بدلات أعماق بحرية أو روبوتات نانوية تغوص في القيعان.<br /><br />وهنا يُطرح سؤال جوهري: لماذا لا نستكشف أعماق كوكبنا أولًا قبل أن نطارد الكواكب الأخرى؟ إن توجيه التقنيات الحديثة، خصوصًا النانوية منها، نحو استكشاف البحار قد يمنحنا حلولًا عظيمة ومعلومات ثرية تسهم في إنقاذ كوكبنا ومجتمعاتنا.<br /><br />في الختام، وقبل أن تحمل تقنياتك إلى المريخ، احملها إلى قاع محيطك، فربما تجد هناك علاجًا وأملًا وخلاصًا. إن الخامات والتصاميم والتقنيات النانوية التي نبنيها اليوم، إذا وُجهت نحو البحر، قد تكشف لنا أسرارًا أعمق من أي مدار فضائي، وعندها فقط نكون قد بدأنا بالفعل بفهم عوالمنا الخفية، قبل أن نمدّ أنظارنا نحو العوالم البعيدة.<br /><br />جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .