لطالما كان الفن الخزفي وسيلة تعبيرية تتجاوز حدود الجماليات المادية لتلامس القضايا الإنسانية والاجتماعية، ومن أبرز الأصوات التي وجدت في الخزف منصة لها: صوت المرأة. من خلال الطين، استطاعت الفنانة الخزّافة أن تُشكّل عالماً ذاتياً يعبّر عن هويتها، قضاياها، وواقعها. إلا أن هذا المسار لم يكن خالياً من التحديات، حيث اصطدمت كثير من النساء بعوائق مجتمعية وثقافية، جعلت من تجربتهن في الفن الخزفي معركة بين الذات والسياق الاجتماعي.<br /><br />أولاً: الخزف كتعبير عن الهوية النسوية<br /><br />الفن الخزفي يتميز بعلاقته الحميمة بالجسد، اللمس، التشكيل، والتحول—وهي كلها عناصر جعلته وسيطاً مثالياً للتعبير عن قضايا المرأة. كثير من الفنانات استخدمن الخزف لتجسيد موضوعات مثل:<br /><br />الجسد الأنثوي وإعادة تعريفه خارج الإطار النمطي.<br /><br />التجارب العاطفية والنفسية للمرأة.<br /><br />الهوية الأمومية والخصوبة والولادة.<br /><br />الصمت المفروض اجتماعياً على المرأة ومحاولة كسره بصريًا.<br /><br />مثال: استخدمت الخزّافة الأمريكية Judy Chicago في مشروعها الشهير The Dinner Party عناصر خزفية لتسليط الضوء على التاريخ المنسي للنساء، مستخدمة الخزف كوسيلة لاستعادة السرد النسوي.<br /><br />ثانياً: التحديات الاجتماعية والثقافية<br /><br />في العديد من المجتمعات، خاصة التقليدية منها، واجهت المرأة الفنانة مقاومة واضحة في المجال الفني عمومًا، والخزفي على وجه الخصوص، لأسباب متعددة:<br /><br />النظرة النمطية: الخزف يُنظر إليه كحرفة منزلية أو تقليدية، وليس كفن معاصر قادر على حمل رسائل نقدية أو فكرية.<br /><br />القيود المجتمعية: تمنع بعض العادات خروج المرأة للعمل في مشاغل أو ورش تتطلب مجهودًا بدنيًا أو مختلطة.<br /><br />التمويل والدعم: غالبًا ما تواجه الفنانات صعوبة في الحصول على دعم مادي أو لوجستي لأعمالهن الفنية.<br /><br />ورغم ذلك، أصبحت هذه التحديات جزءًا من موضوع العمل الفني نفسه، حيث تحوّلت القيود إلى مادة فنية تُعاد صياغتها في منحوتات وصحون وأشكال خزفية تنبض بالتمرد والصوت الداخلي.<br /><br />ثالثاً: تحول الفن الخزفي إلى وسيلة للمقاومة الاجتماعية<br /><br />بفضل الإنترنت ومنصات العرض الحديثة، بدأت كثير من الفنانات باستخدام الخزف كوسيلة للحديث عن قضايا مثل:<br /><br />العنف الأسري<br /><br />التحرش والتمييز<br /><br />حقوق المرأة والتعليم<br /><br />الحريات الجسدية والنفسية<br /><br />وقد ظهرت موجة من الفنانات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مثل الخزّافات الإيرانيات والمصريات والمغربيات، اللواتي يوظفن الخزف بأسلوب معاصر وجريء، يمزج بين الأصالة والترميز النسوي.<br /><br />رابعاً: الخزف في الفن النسوي المعاصر<br /><br />أصبح الخزف عنصرًا فاعلًا في الفن النسوي المعاصر، لا بوصفه وسيطًا تقنيًا فحسب، بل بوصفه لغةً بصرية ذات قدرة رمزية عالية. فالطين كمادة خام يتماهى مع الفكرة النسوية: هش، قابل للتشكيل، لكنه متين بعد الحرق—تمامًا كما هو حال كثير من النساء.<br /><br />خاتمة<br /><br />في الفن الخزفي، وجدت المرأة مساحة حرة للتعبير عن كينونتها ومعاناتها وانتصاراتها. وبينما ظل الخزف لعقود يُعتبر فنًّا "نخبويًّا" أو "تقليديًّا"، أعادت المرأة تشكيله ليصبح أداة نقد اجتماعي وصوتًا بصريًا للنسوية الحديثة. وبين التعبير الذاتي والتحدي الاجتماعي، واصلت الفنانة الخزّافة رحلتها، جاعلة من الطين شهادة فنية على نضالها من أجل الحضور، والمساواة، والحرية.<br /><br />يأتي هذا المقال ضمن أهداف التنمية المستدامة، وبالأخص الهدف الرابع: التعليم الجيد، حيث يعزز أهمية تمكين المرأة من خلال الفن كوسيلة تعليمية وثقافية تساهم في بناء مجتمعات مستدامة وشاملة.<br /><br />جامعة المستقبل الجامعه الاولى في العراق .