مفهوم الإدراك الكمي في الذكاء الاصطناعي يعد من الموضوعات الحديثة والمثيرة للاهتمام، فهو يجمع بين عمق الفيزياء الكمية وتعقيد التفكير البشري ودقة الخوارزميات الحاسوبية. جاءت فكرة هذا المجال من ملاحظة أن الإنسان لا يتخذ قراراته دائمًا وفق منطق رياضي ثابت أو احتمالات تقليدية، بل إن تفكيره قد يكون مترددًا أو متشابكًا أو حتى متغيرًا بحسب الموقف والظروف. هذا التعقيد دفع الباحثين إلى البحث عن إطار جديد يفسر السلوك البشري، فوجدوا في ميكانيكا الكم أدوات يمكن الاستفادة منها في هذا السياق.<br /><br />يعتمد الإدراك الكمي على مفاهيم أساسية مثل التراكب، الذي يفسر كيف يمكن للشخص أن يحمل أكثر من رأي أو خيار في الوقت نفسه قبل الحسم، والتشابك الذي يوضح كيف تكون الأفكار والقرارات مترابطة بشكل غير خطي، إضافة إلى مبدأ عدم اليقين الذي يعكس استحالة التنبؤ الكامل بالسلوك الإنساني. هذه الخصائص تجعل من هذا النموذج أقرب لتمثيل طريقة تفكير البشر مقارنة بالأساليب التقليدية في الرياضيات والإحصاء.<br /><br /><br /><br />أما في مجال الذكاء الاصطناعي، فإن الإدراك الكمي يفتح الباب أمام جيل جديد من التطبيقات. ففي معالجة اللغة الطبيعية مثلًا، يساعد هذا المفهوم الآلة على فهم المعاني المتعددة للكلمات وما تحمله من غموض، بينما يتيح في أنظمة التوصية التعامل مع اهتمامات المستخدم على أنها متغيرة باستمرار، لا مجرد بيانات ثابتة. كذلك، يمكن للروبوتات التي تعتمد هذا الأسلوب أن تتخذ قرارات أكثر مرونة في مواقف غير واضحة أو مليئة بالاحتمالات المتناقضة.<br /><br />إن أهمية هذا المجال لا تكمن فقط في كونه يضيف بعدًا جديدًا للذكاء الاصطناعي، بل لأنه يقرب هذه الأنظمة أكثر من طبيعة الإنسان ذاتها. ومع أن الأبحاث ما تزال في بداياتها، إلا أن الجمع بين الإدراك الكمي والذكاء الاصطناعي يعد خطوة واعدة نحو بناء تقنيات أكثر واقعية، قادرة على فهمنا والتفاعل معنا بشكل أعمق وأكثر إنسانية.<br />د.حسام جواد كاظم الجنابي