مقدمة
السرطان يُعدُّ من أبرز التحدّيات الصحيّة على الصعيد العالمي، وهو ليس مجرد نموّ غير منضبط للخلايا، بل حالةٌ تغيّر فيها الفيزيولوجيا الطبيعية للخلايا والأنسجة. فَسَلجةُ السرطان Physiological oncology تعني دراسة كيف تغيّر الخلايا السرطانية والميكروبيئة المحيطة بها وظائف الأنسجة والعُضَيات، بدءاً من الأخطاء الجينية، مروراً بإعادة برمجة الأيض، وصولاً إلى الغزو والنّقْل (الميتاستاز).
في هذا المقال نُراجع بعض الآليات الفيزيولوجية الرئيسة وراء تطور الأورام، مع التركيز على: (1) إعادة برمجة الأيض الخلوي، (2) التكيّف مع نقص الأكسجة والبيئة الدقيقة للورم، (3) تغيُّر الإشارات والنّقل الخلوي التي تُسهّل البقاء والنموّ.
1. إعادة برمجة الأيض (Metabolic reprogramming)
خلال التحول من خلية طبيعية إلى خلية سرطانية، تُدخل الخلية تغييرات كبيرة على الأيض لدعم النموّ السريع والبقاء في بيئات غالباً ما تكون ضاغطة. من أبرز تلك التغييرات ما يُعرف بـ (Warburg effect) تخمُّر الجلوكوز حتى في وجود الأكسجين حيث تستبدل الخلية المسار الأيضي المُعتاد نحو الفسفوري ليشن التأكسدي بمسار أعلى للجلوكوليز حتى وإن توفر الأكسجين.
إضافة إلى ذلك، تعتمد خلايا الورم بشكل أكبر على أمينو-أحماض مثل الغلوتامين، وتُعدّل نقل الحوامض (مثل CO₂ / H⁺) وإفراز اللاكتيت للتكيّف مع النشاط الأيضي المكثّف.
هذه التعدّلات الأيضية تمنح الخلايا السرطانية قدرةً على النموّ والبقاء حتى تحت ضغط نَقص المغذّيات أو الأكسجين، لكنها أيضاً تفتح أبواباً للعلاج المُوجَّه نحو الأيض.
2. نقص الأكسجة والبيئة الدقيقة للورم (Hypoxia & tumour microenvironment)
كلّما كبر الورم، تفوق سرعة نموّ الخلايا السرطانية على تكوين الأوعية الدموية التي تغذّيه بالأكسجين، مما يُولّد حالة نقص أكسجة (hypoxia) داخل الأنسجة الورمية.
في هذه الحالة، تُفعّل عوامل النسخ مثل Hypoxia‑inducible factor 1 alpha (HIF-1α) التي تحفّز التعبير عن عدة جينات تساعد على التكيّف: مثل تلك المسؤولة عن نقل الأمينو-أحماض، نقل الحوامض، تحويل اللاكتيت، وتكوين أوعية دموية جديدة.
البيئة الدقيقة للورم tumor microenvironment) ) تضمّ خلايا من جهاز المناعة، أوعية دموية، خلايا داعمة (stroma)، ومكوّنات مصفوفة خارج الخلية (ECM) التي تؤثّر على سلوك الخلايا السرطانية وتساعد على الغزو والمقاومة.
3. تغيّرات إشارات النّقل الخلوي والموت المبرمج
الخلية الطبيعية تتحكّم بدقة في الدورة الخلوية، الإشارات الداخلية والخارجية، والتوازن بين البقاء والموت (اإبْرَاض أو apoptosis). أما الخلية السرطانية فتتميّز بقدرتها على تجاوز نقاط التفتيش (checkpoints) الخاصة بالدورة الخلوية، وتُخَفّف من آليات الموت المبرمج، مما يمنحها ميزة بقاء.
من جهة أخرى، إشارات مثل مسار PI3K/AKT/mTOR، و Myc، و KRAS تُحرّض النموّ وتثبّط الموت وتعزّز التمثيل الغذائي للأيض الحيوي.
هذه التعديلات تجعل الورم أكثر مقاومة للعلاج وتستدعي تطوير علاجات تؤثر على الإشارات والتغذية والبيئة الداخلية للخلية.
خاتمة
يمكن القول إن تطوّع الخلية الطبيعية إلى خلية سرطانية يتطلّب تغيّرات متعددة ومتكاملة على المستوى الفيزيولوجي: إعادة برمجة الأيض، التكيّف مع نقص الأكسجة، والتغيّرات في إشارات الخلية والموت. فهم هذه الآليات بعمق يمكن أن يفتح الآفاق لعلاجات مبتكرة تستهدف نقاط الضعف في الفيزيولوجيا غير الطبيعية للورم. رغم التقدّم، تبقى أبحاث كثيرة مطلوبة لفَهم التداخلات المعقّدة بين الورم وبيئته والمضيف.