مقاومة المضادات الحيوية: أزمة عالمية في تزايد
تُعد مقاومة المضادات الحيوية من أبرز التحديات التي تواجه الصحة العامة على مستوى العالم. وقد أدّى الاستخدام غير الرشيد لهذه الأدوية في المجالات الطبية إلى ظهور سلالات بكتيرية يصعب علاجها بالأنواع المتوفرة حاليًا. يمثل هذا الوضع خطرًا حقيقيًا على نجاح العلاج بالمضادات الحيوية ويهدد فعالية الإجراءات الطبية الأساسية مثل الجراحة وزرع الأعضاء والعلاج الكيميائي. تهدف هذه المقالة إلى تسليط الضوء على أسباب نشوء المقاومة، وآلياتها البيولوجية، والنتائج المترتبة عليها، مع الإشارة إلى الجهود الدولية المبذولة للحد من انتشارها.
منذ اكتشاف البنسلين على يد ألكسندر فليمنغ عام 1928، شكّلت المضادات الحيوية نقلة نوعية في الطب الحديث، إذ أنقذت حياة ملايين المرضى. إلا أن الاستخدام المتزايد وغير المنضبط لهذه العقاقير أدى إلى فقدان فعاليتها تدريجيًا ضد العديد من الكائنات الدقيقة. ومع مرور الوقت، ظهرت أنواع بكتيرية متعددة المقاومة لمضادات مختلفة، ما جعل بعض الالتهابات البسيطة سابقًا تتحول إلى حالات تهدد الحياة.
تتعدد العوامل التي ساهمت في تفاقم ظاهرة المقاومة، ومن أهمها:
1. الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية دون حاجة طبية واضحة، سواء من قبل الأطباء أو المرضى.
2. عدم الالتزام بالجرعات والمدة المحددة للعلاج، مما يسمح للبكتيريا بالبقاء والتكيف.
3. استعمال المضادات في تربية الحيوانات والنباتات لتعزيز النمو أو الوقاية من الأمراض، مما يزيد من انتقال السلالات المقاومة إلى الإنسان.
4. نقص برامج التوعية والرقابة الدوائية في العديد من الدول النامية.
تتطور المقاومة البكتيرية بعدة طرق، أبرزها:
• إنتاج إنزيمات مغيرة أو معطلة للمضاد الحيوي، مثل إنزيمات بيتا لاكتاماز التي تكسر بنية بعض المضادات.
• تغيير مواقع ارتباط الدواء داخل الخلية البكتيرية، مما يمنع تأثيره.
• زيادة طرد الدواء من الخلية بواسطة مضخات خاصة.
• انخفاض نفاذية الغشاء الخلوي، مما يقلل من دخول المضاد الحيوي إلى الخلية.
لقد أدى انتشار المقاومة إلى ارتفاع معدلات الوفيات الناتجة عن العدوى البكتيرية، خصوصًا في وحدات العناية المركزة والمستشفيات. كما ارتفعت كلفة العلاج نتيجة الحاجة إلى استخدام مضادات أقوى وأكثر تكلفة، إضافة إلى زيادة مدة بقاء المرضى في المستشفى. هذه الآثار تشكل عبئًا اقتصاديًا كبيرًا على الأنظمة الصحية، خصوصًا في الدول ذات الموارد المحدودة.
تعمل منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع الهيئات الصحية الوطنية على تنفيذ خطط شاملة للحد من انتشار المقاومة، وتشمل:
1. تطبيق برامج ترشيد استخدام المضادات الحيوية.
2. تعزيز المراقبة الوبائية لمعدلات المقاومة في المستشفيات والمجتمعات.
3. تشجيع البحث العلمي لتطوير مضادات جديدة وبدائل علاجية مبتكرة.
4. رفع مستوى الوعي المجتمعي حول مخاطر الاستخدام غير السليم للمضادات.
ختاما , تمثل مقاومة المضادات الحيوية تهديدًا حقيقيًا للنظام الصحي العالمي، وهي ليست مشكلة محصورة بدولة أو منطقة معينة. الحد من انتشارها يتطلب تعاونًا واسع النطاق بين الأطباء والمختبرات والهيئات التنظيمية والقطاع العام. إن الاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية والالتزام بالتوصيات الطبية يمثلان الركيزة الأساسية لحماية فعالية هذه الأدوية والحفاظ على صحة الإنسان في المستقبل.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق
قسم تقنيات المختبرات الطبية الاول في التصنيف الوطني العراقي