يُعدّ حق الملكية من أوسع الحقوق العينية التي يمنحها القانون، إذ يتيح لصاحبه سلطة الاستعمال والاستغلال والتصرف ضمن حدود القانون. غير أنّ هذه الحرية ليست مطلقة، إذ قد يؤدي استعمال الحق بصورة غير مشروعة إلى إلحاق الضرر بالغير. ومن هنا جاءت فكرة التعسف في استعمال الحق كقيد قانوني وأخلاقي يحدّ من إطلاق هذا الحق، تحقيقًا للتوازن بين مصلحة المالك ومصالح المجتمع والأفراد.
أولًا: مفهوم التعسف في استعمال حق الملكية
يُقصد بالتعسف في استعمال حق الملكية أن يتجاوز المالك الحدود التي رسمها القانون لاستعمال حقه، بحيث يستعمله على نحو يضر بالغير دون أن يحقق لنفسه مصلحة مشروعة.
فحق الملكية، وإن كان يمنح صاحبه سلطة واسعة، إلا أنه مقيد بمبدأ عدم الإضرار بالغير، وهو مبدأ راسخ في الشريعة الإسلامية مأخوذ من الحديث الشريف:
“لا ضرر ولا ضرار.”
ثانيا: الأساس القانوني لمبدأ عدم التعسف في استعمال الحق
تضمّن القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 عدة نصوص تؤكد على ضرورة استعمال الحقوق بصورة مشروعة وعدم الإضرار بالغير، ومن أهمها:
المادة (6):
“يجب استعمال الحق واستيفاؤه بحسن نية.”
وهذه المادة تُعدّ قاعدة عامة تفرض على صاحب الحق أن يتصرف بنزاهة، وأن لا يستخدم حقه لتحقيق أغراض غير مشروعة.
المادة (7):
“من استعمل حقه استعمالًا مشروعًا لا يكون مسؤولًا عما ينشأ عن ذلك من ضرر، على أن استعمال الحق يكون غير مشروع إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير، أو كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها لا تتناسب مع ما يصيب الغير من ضرر، او إذا كان المقصود تحقيق مصلحة غير مشروعة.”
وهذه المادة هي الأساس المباشر لمبدأ عدم التعسف في استعمال الحق، إذ حددت ثلاث حالات يعد فيها استعمال الحق غير مشروع.
المادة (8):
“لا يجوز أن يكون استعمال الحق سببًا في الإضرار بالغير، وإذا وقع الضرر وجب التعويض.”
وهذه المادة تقرر المسؤولية المدنية عن الضرر الناشئ عن التعسف في استعمال الحق.
المادة (١٠٥):
"كل من أصاب ضررًا بفعله أو امتناعه عن فعل إذا كان متعمدًا أو عن إهمال، وكان ذلك الفعل غير مشروع، يلتزم بالتعويض" .
تعتبر هذه المادة قاعدة عامة للمسؤولية التقصيرية، وتشمل أيضًا حالات التعسف في استعمال الحق باعتباره فعلاً غير مشروع.
أي أن الجزاء المترتب على التعسف هو التزام المالك بالتعويض عن الضرر الذي سببه تعسفه.
ثالثًا: صور التعسف في استعمال حق الملكية
يتخذ التعسف في استعمال حق الملكية صورًا متعددة، منها:
1. إلحاق الضرر بالجار دون مصلحة حقيقية، كمن يبني جدارًا مرتفعًا يحجب الضوء أو الهواء بقصد الإيذاء.
2. الاستخدام غير المعتاد أو الضار للعقار، كمن يُحدث ضجيجًا أو رائحة تؤذي الجيران.
3. حرمان الغير من الانتفاع المشروع، مثل منع مرور الماء أو الكهرباء دون سبب مشروع.
4. ترك العقار دون استعمال بقصد الإضرار بالغير، كمن يرفض إصلاح جدار مشترك مما يسبب ضررًا للجار.
رابعًا: تطبيقات قضائية على مبدأ التعسف
كرّست محكمة التمييز العراقية مبدأ التعسف في أحكام عديدة، فقررت مثلاً أن المالك الذي يقيم بناءً يحجب الضوء والهواء عن جاره دون مبرر مشروع يعدّ متعسفًا، وأنّ الحق يُحمى بقدر الغاية المشروعة من استعماله، لا بما يؤدي إلى الإضرار بالغير.
و في قرار اخر لمحكمة التمييز الاتحادية العراقية رقم (1043) — صدر في 10 مارس 2008 (2008/3/10) طبّقت المحكمة مبدأ التعسف لتقرير التعويض في حالة طلاقٍ اعتُبر «تعسفيًا» أو غير مبرَّر، وأكدت أن السبب في الإضرار (مثل إيقاع الطلاق دون مسوغ معقول) يمكن أن يكون سببًا للالتزام بالتعويض — أي تبيّن توسع مبدأ التعسف ليشمل تطبيقات في الأحوال الشخصية والمسائل غير المادية.
كذلك مبدأ تمييزي صادر عن القضاء المدني (مذكور بتاريخ 25/1/2007 في المراجع القضائية المتداولة)، رقَمَ القاضي المبدأ التمييزي المتعلق بمقاضاة البلديات وحقوق المميز عليه بشأن رخص البناء (حيث تقوّض المحكمة ضرورة اعتماد الخبرة قبل الحكم بعدم تعسف المميز في استعمال حقه بمنح الإذن). يبرز هذا المبدأ أن إنكار الحق أو رفض حلول وسط مبررة قد لا يرقى إلى التعسف إذا كانت هناك مقتضيات إدارية أو تقنينية.
خامسًا: الجزاء المترتب على التعسف
نستشف من نصوص المواد (7) و(٨) و (١٠٥) من القانون المدني العراقي المبينة اعلاه انه إذا ثبت أن المالك قد تعسف في استعمال حقه، يترتب على ذلك:
1. إزالة الضرر أو وقف الفعل التعسفي بأمر قضائي.
2. إلزام المالك بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالغير.
3. اعتبار التصرف باطلًا أو غير مشروع إذا كان الغرض منه الإضرار فقط.
كما ان القاضي لا يكتفي بالتعويض المالي فقط، بل يمكن أن يفرض جزاءات إضافية بحسب طبيعة الحالة، مثل:
1. إزالة الضرر (كأمر بهدم جدار أو وقف استعمال معين).
2. وقف التصرف التعسفي.
3. إعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل التعسف.
وهذه الجزاءات تستند إلى السلطة التقديرية للقاضي المدني.
الخاتمة
إن مبدأ عدم التعسف في استعمال حق الملكية يُعدّ من أهم القيود التي تضمن التوازن بين حرية الأفراد وحماية حقوق الغير.
فالقانون المدني العراقي، باعتماده نصوص المواد (6 إلى 8)، جسّد روح العدالة الإسلامية والإنسانية التي ترفض الإضرار بالآخرين تحت غطاء ممارسة الحق.
وعليه، فإن استعمال الحق يجب أن يكون لتحقيق غاية مشروعة، لا للإيذاء أو المضايقة، وإلا تحوّل من حق إلى وسيلة غير قانونية تستوجب المسؤولية والتعويض.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق
SDG4