يمثل اليقين في الفكر الإنساني والوحي الإلهي أعلى درجات المعرفة وأثبتها، حيث لا يساوره شك ولا يداخله ريب، وهو القطب الذي تدور حوله كل من الرسالة القرآنية والعملية الاستدلالية المنطقية، إنّه حالة سكون القلب واطمئنان الروح إلى حقيقة ثابتة، وهي غاية تتجاوز مجرد الظن أو الإدراك السطحي، لترتقي إلى مرتبة الشهود الباطني والتصديق الجازم (محمد عمارة/القرآن والتحدي الحضاري/2005/ص 120)، إن النظر في مفهوم اليقين يقتضي تفكيك دلالاته العميقة في النص القرآني، ثم تتبُّع مساره في أروقة علم المنطق والفلسفة الإسلامية، لنكتشف أن العلاقة بينهما هي علاقة تكامل وتأصيل، حيث يضع الوحي الغاية، ويسعى العقل لضبط الوسيلة.
في القرآن الكريم، يتجلى اليقين في ثلاث مراتب متدرجة، تشكل سلمًا روحيًا ومعرفيًا يبدأ بالإخبار وينتهي بالمعاينة الفعلية، وهي: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، فـعلم اليقين هو المرتبة الأولى التي تُكتسب من خلال الدليل العقلي أو الخبر الصادق، وهو يقين يحصل للعقل بالاستدلال والاستماع والاطلاع على الحجج والبراهين، أي معرفة الشيء والاطمئنان إليه بطريق العلم النظري، كما في قوله تعالى: "كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ" (سورة التكاثر: 5)، وهذا يماثل الإيمان بالحقيقة بناءً على السماع عنها أو قراءة البرهان عليها، أما المرتبة الثانية فهي عين اليقين، وهي درجة أعلى تتحقق بالمشاهدة والرؤية العينية، حيث يتحول الخبر الصادق إلى واقع مُعايَن ومُبصَر، فينتقل القلب من مجرد التصديق العقلي إلى التحقق الحسي، كما في قوله تعالى: "ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ" (سورة التكاثر: 7)، وهذه المرتبة هي يقين الإحساس، كتأكد الإنسان من وجود النار برؤيتها أو الإحساس بحرارتها، وتأتي المرتبة الثالثة والأعلى وهي حق اليقين، وهي الوصول إلى الحقيقة والاتصال بها والاندماج فيها، ليكون اليقين حالة من الذوق والوجدان والممارسة العملية التي تذوب فيها الفوارق بين العالِم والمعلوم، كما في قوله تعالى: "إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ" (سورة الواقعة: 95)، وهذا النوع من اليقين هو أعلى مراتب الثبات والتحقق، كتأكد الإنسان من وجود النار بالاحتراق بها مباشرةً، حيث يكون اليقين جزءًا من الكيان الذاتي (ابن القيّم/مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين/1983/ج 3/ص 450)، وقد أسس القرآن لهذا التدرج ليرسم للمؤمن طريقًا صاعدًا من الإيمان النظري إلى الإيمان الشهودي المعاش،
وفي موازاة هذا الترسيم القرآني، عالج علم المنطق، الذي طوره الفلاسفة المسلمون كالفارابي وابن سينا، مفهوم اليقين بصفته الهدف الأسمى لعملية الاستدلال العقلي، واعتبروه الأساس الذي تبنى عليه العلوم البرهانية، فالمنطق لا يهتم باليقين الوجداني بالضرورة، بقدر ما يهتم بـاليقين المنهجي الذي ينتج عن مقدمات صادقة وقياس صحيح (ابن سينا/النجاة من الغرق في بحر الضلالات/1992/ص 35)، وقد قسّم المناطقة اليقين إلى نوعين رئيسيين يقوم عليهما بناء المعرفة البشرية: اليقين البرهاني (الحقيقي) واليقين الإقناعي (الظني)، فاليقين البرهاني هو ما يُكتسب عن طريق البرهان، ويُسمى أيضًا العلم الضروري أو اليقين البديهي، وهو الذي يعتمد على مقدمات أولية صادقة لا تحتاج إلى دليل، كقولنا: "الكل أعظم من الجزء"، أو ما يُكتسب عن طريق القياس الصحيح الذي يؤدي إلى نتيجة لا يمكن نقضها، وتتميز هذه المعرفة بأنها ثابتة، لا تتغير بتغير الأحوال والأزمنة، وهي الغاية التي يسعى إليها المنطقي في بناء المعارف الحقة، أما اليقين الإقناعي، فهو وإن كان يفيد الاقتناع، إلا أنه يظل في مرتبة أدنى من اليقين البرهاني، ويُستعمل غالبًا في الخطابة والجدل، ويعتمد على مقدمات مشهورة أو مسلمة، لكنها قد تكون عرضة للخطأ أو النقض في التحقيق الدقيق، كالمقدمات التي يعتمد عليها الظن الغالب أو الشهرة الواسعة (الفارابي/المنطق عند الفارابي: كتاب البرهان/1986/ص 155)، ففي المنطق، لا يتم النظر إلى "اليقين" كحالة شعورية، بل كصفة للنتيجة المنتَجة من عملية استدلالية صحيحة تضمن صدق المقدمات وسلامة الصورة القياسية.
وعليه، فإن المفهوم القرآني لليقين ذو طابع وجودي ومعرفي مزدوج، يهدف إلى الارتقاء بالإنسان نحو كمال الإيمان، عبر مراحل الشهود الثلاثة، بينما المفهوم المنطقي لليقين ذو طابع إبستمولوجي (معرفي) خالص، يهدف إلى ضبط آليات العقل للوصول إلى الحقيقة الموضوعية التي لا تقبل النقيض، وفي المنظور الإسلامي العام، يتكامل النوعان؛ فاليقين القرآني هو الغاية الروحية الكبرى، واليقين المنطقي هو الآلية العقلية التي استخدمها علماء الكلام والأصول لإثبات العقائد وردّ الشبهات، لقد كان اليقين، بمختلف تجلياته، هو الدافع والموجه للحركة الفكرية الإسلامية عبر العصور، حيث سعى العقل المسلم دائمًا إلى تحقيق تلك المرتبة المعرفية التي لا تترك مجالًا للشك أو التردد، سواء كان ذلك في أصول الدين أو في فروع المعرفة البشرية (الرازي/المحصول في علم أصول الفقه/1997/ج 1/ص 80)، هذه الوحدة بين اليقين الروحي واليقين العقلي هي ما منح الحضارة الإسلامية صلابتها المعرفية والمنهجية.
الدكتور سعيد مراد الكريطي