يُعدّ الصيام ممارسة روحية عميقة، تتسامى فوق حدود الأديان، لتنحت لنفسها مكانة جليلة في سِفر التاريخ البشري، فهي ليست مجرد طقس تعبدي، بل هي رحلة داخلية نحو التطهير الذاتي والتسامي الروحي وإعادة ضبط بوصلة العلاقة بين الإنسان وخالقه، لم يكن الصيام فكرة مستحدثة في الإسلام، بل هو خيط ذهبي نسجته يد العناية الإلهية في نسيج المعتقدات القديمة، ففي الديانات السماوية السابقة، نجد صورًا واضحة لهذه الشعيرة؛ ففي اليهودية، يُعدّ يوم الغفران (يوم كيبور) أهم أيام الصيام، وهو صيام إلزامي وكامل عن الطعام والشراب، يُعتبر يوم كفارة وتطهير، كما توجد أيام صيام أخرى تخليدًا لأحداث تاريخية حزينة (علي الصلابي/تاريخ الأمة الإسلامية: التأسيس/2012/ص 150)، أما في المسيحية، فقد مارَس المسيحيون الأوائل الصيام كوسيلة للتقشف والاستعداد الروحي، ولا يزال الصوم الكبير (صوم الأربعين)، الذي يسبق عيد الفصح، يُمارس بأشكال متعددة تشمل الامتناع عن أنواع معينة من الطعام (محمد أبو زهرة/مقارنات الأديان/1996/ص 210)، وفي الديانات الوضعية، كـالبوذية والهندوسية، تتواجد مفاهيم مشابهة للصيام والتقشف، والتي تهدف إلى ترويض النفس والوصول إلى حالة من الصفاء الذهني والتنوير الروحي (أحمد شلبي/مقارنة الأديان: اليهودية/1988/ص 135)، وهذا الانتشار الواسع يدل على أن حاجة الإنسان إلى الانقطاع المؤقت عن المادة هي حاجة فطرية وأساسية في التركيبة الروحية للإنسان.
ويأتي الصيام في الإسلام ليُشَرِّع هذا الركن على أساس واضح ومحدد، لا بوصفه مجرد عادة، بل فعل تكليف إلهي يستهدف تقوية الإرادة وتنمية التقوى، وقد نصّ القرآن الكريم على هذه الصلة العريقة بالقول: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (سورة البقرة: 183)، حيث يشير هذا النص المؤسس إلى استمرارية التشريع، وأن صيام شهر رمضان ليس بدعة، بل هو تجديد وتأصيل لشعيرة إلهية قديمة، لكن الإسلام أعاد صياغتها لتصبح ركنًا من أركان الدين الخمسة، محددًا زمانه وشروطه وأبعاده؛ فقد فُرِض صيام رمضان في السنة الثانية للهجرة، ليُصبح من حينها مَعْلَمًا زمنيًا فاصلًا في تاريخ الأمة الإسلامية (ابن كثير/البداية والنهاية/2007/ج 3/ص 200)، ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الصيام الإسلامي يتجاوز مجرد الامتناع عن الطعام والشراب؛ فهو يفرض الامتناع عن كل ما يُفسد الروح، من لغو ورفث وفُحش، ليتحول إلى مدرسة سنوية للتحكم الذاتي والتعاطف الاجتماعي والشعور بالفقراء (أحمد منصور/فقه الصيام/1993/ص 45).
وعلى امتداد التاريخ الإسلامي، لم يتغير جوهر الصيام كفريضة، لكن تفاعُل الأمة معه أظهر تجلياته الحضارية والروحية؛ ففي العصر النبوي والراشدي، كان الصيام عبادة نقية، خالية من التعقيد، متمحورة حول الإحياء الليلي والجهاد الروحي، وكان رمضان محطة لتنظيم الحملات العسكرية أو الأحداث الكبرى، مما يدل على أن الصيام ليس خمولاً، بل مصدر قوة وعزيمة، ومع حلول العصر الأموي والعباسي، تحوّل رمضان إلى موسم اجتماعي وثقافي، حيث ازدهرت فيه مجالس الوعظ والإفتاء، وتفنن الناس في إقامة الولائم، وظهرت مدارس فقهية تناولت تفاصيل الصوم والشروط والمُفسدات، مما يدل على عمق العناية الفقهية بالشعيرة (حسن إبراهيم حسن/تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي/1996/ج 2/ص 350)، وفي العصور الحديثة، ومع تحديات العصرنة والعولمة، بقي رمضان الحصن الحصين للهوية الإسلامية، وأصبح بمثابة إعادة شحن روحية سنوية، تتوحد فيه مشاعر المسلمين حول العالم رغم تباعد جغرافيتهم، وفي التحليل الأكاديمي، يتضح أن الصيام ليس مجرد عادة ورثناها، بل هو تراث إنساني كوني أعيد تأصيله وتكميله في الإسلام ليبلغ غايته القصوى: التقوى، إن استمرارية هذه الشعيرة عبر الأديان والأزمان، وتأثيرها العميق على حياة المسلمين في كل العصور، يُرسّخ حقيقتها بأنها ليست سلبًا للشهوات فحسب، بل إيجابًا للإرادة، فالصائم، بما يُمارسه من انضباط إرادي، يُثبت أن الروح هي التي تقود الجسد، وليس العكس، محققًا بذلك الارتقاء الذي أراده الخالق لعبده.
الدكتور: سعيد مراد الكريطي