• الرئيسية
  • الأخبار
  • الصور
  • المكتبة
  • النشاطات
    • النشاطات
    • المقالات
    • الجوائز
    • براءات الاختراع
    • الورش
    • المؤتمرات
  • الاعلانات
  • الكادر
  • البرنامج الأكاديمي
  • مشاريع التخرج
  • المحاضرات
  • تواصل معنا
default image default image
default image
default image

مقال بقلم الدكتور سعيد مراد الكريطي عن: رؤية التفكيك (هيدغر ودريدا) مقارنة بين العصر الجاهلي والزردشتية.

30/11/2025
  مشاركة :          
  56

لطالما حكمت الثنائيات الميتافيزيقية (Metaphysical Binaries) الفكر الإنساني والخطاب اللاهوتي عبر العصور، فارضةً نظاماً صارماً يُعلي من قيمة أحد الأطراف (المركز/الخير/الحضور) على حساب الطرف المقابل (الهامش/الشر/الغياب)، وفي سياق الثقافة العربية قبل الإسلام، تبلورت هذه الثنائية في صورة الكائنات الغيبية: الملائكة بوصفها تجسيداً للطهارة والخير، والشياطين والجن بوصفها قوى سفلية للشر والإغواء، بيد أن القراءة المتأنية للنصوص الجاهلية الموثوقة، ولا سيما الشعرية منها، تكشف عن هشاشة هذه البنية الثنائية، وتفضح قدراً كبيراً من التداخل والتهجين الدلالي في وظائف هذه الكائنات، تنطلق هذه الدراسة من إشكالية محورية: كيف يمكن تطبيق استراتيجية التفكيك، كما أرساها جاك دريدا، على المتن الجاهلي، بهدف تقويض مركزية الخير في تصوّر الملائكة والشياطين، وإظهار اللامركزية و "اللا قرار" (Undecidability) التي اتسمت بها هذه التصورات قبل أن يتم ترسيمها لاهوتياً بشكل مطلق؟ تعتمد الباحثة في مقاربتها على المنهج التفكيكي (Deconstruction) بوصفه قراءة مضادة، تسعى لزعزعة المفاهيم الثابتة (جاك دريدا/الكتابة والاختلاف، 1967)،وتنقسم الدراسة إلى ثلاثة محاور رئيسية، تبدأ بتأصيل الإطار الفلسفي واللاهوتي، مروراً بالاستقراء النصي لوظائف الكائنات الغيبية في الجاهلية، وانتهاءً بإعادة بناء المعنى على أساس "تداخل الأدوار الوجودية" كخطوة ثالثة في الإجراء التفكيكي (جاك دريدا/الكتابة والاختلاف، 1967). أولاً- في تفكيك المركزية الميتافيزيقية وتأصيل الثنائيات الفلسفية: أ- نقد الميتافيزيقا: من هايدغر إلى استراتيجية دريدا: تأسس التفكيك في الفكر الغربي على أرضية فلسفية عميقة تمتد جذورها إلى نقد الميتافيزيقا (ما بعد الطبيعة)، خاصةً ميتافيزيقا "الحضور" (Metaphysics of Presence)، فقد وضع فلاسفة مثل نيتشه وهايدغر الأساس لزعزعة فكرة الأصل(الأول، المبدأ، الحقيقة المطلقة)؛ وينطلق جاك دريدا من منجز هايدغر في سعيه لتجاوز الميتافيزيقا وامتداداتها في مختلف الحقول الفكرية والأدبية واللغوية (إبراهيم محمود خليل/النقد الأدبي الحديث من المحاكاة إلى التفكيك، 2015)، ويرى دريدا أن الأنطولوجيا التقليدية، سواء عند أرسطو أو كانط أو هايدغر، تقوم على افتراض وجود معنى أو جوهر ثابت يمكن الوصول إليه (بتول قاسم ناصر/التفكيكية: تقويض ميتافيزيقا الأصل، 2019)؛هذا الافتراض يعزز بنية الثنائيات الضدية (Binary Oppositions)؛ فكل ثنائية (كلام/كتابة، داخل/خارج، مركز/هامش، خير/شر) تقوم على امتياز أحد طرفيها، الذي يمثل "المركز" أو "الأصل"، ويسعى دريدا إلى تقويض هذا الامتياز عبر مفهوم "الفرق" (Différance)، الذي يشير إلى تأجيل المعنى وعدم استقراره في النصوص والمفاهيم (عمر التاور/استراتيجية التفكيك عند جاك دريدا الهدم والبناء، 2014)، التفكيك إذن، ليس مجرد نقد "خارجي"، بل هو إقامة في البنية غير المتجانسة للنص، والوقوف على توترات داخلية يقرأ النص من خلالها نفسه ويفكك ذاته (عمر التاور/استراتيجية التفكيك عند جاك دريدا الهدم والبناء، 2014)، وفي دراستنا للثنائية اللاهوتية الجاهلية، يتمثل المركز في (الخير/الملاك/الطهارة)، بينما يمثل الهامش في (الشر/الشيطان/النجاسة)، ويهدف هذا المقال إلى إظهار أن هذا الهامش (الشر/الشيطان) يحضر بوظائف إيجابية، كالإلهام الشعري، مما يكشف عن تخلخل مركزية الخير في الفكر الجاهلي. ب- اللاهوت القديم: نموذج الزرادشتية كـ "ثنائية مطلقة" نقيضة للجاهلية: لتعزيز الرؤية التفكيكية لمرونة التصور الجاهلي، من الضروري وضعها في مقارنة مع نموذج لاهوتي مجاور أقرّ بـ "الثنائية المطلقة"، وهو نموذج الديانة الزرادشتية،إذ يُعد اللاهوت الزرادشتي، الذي أسسه زرادشت في بلاد فارس، مثالاً كلاسيكياً على الثنائية الكونية الجذرية (Cosmic Dualism)، فقد قام هذا اللاهوت على صراع أبدي ومحسوم بين قطبين متنافرين: (أهورامازدا (إله النور والخير، و(أهريمان) الذي يمثل الشيطان الوحيد وقوة الظلام والشر المطلق، (محمد إبراهيم الفيومي/تاريخ الفكر الديني الجاهلي، 1991)، وفي هذا التصور، يكون النور فوق والظلمة تحت، وبين الاثنين فراغ مكشوف، ويُقرّ الصراع الثنائي الهائل على مستوى العالم بين قوى الخير والشر (محمد إبراهيم الفيومي/تاريخ الفكر الديني الجاهلي، 1991)، وتتسم هذه الثنائية بالصرامة؛ فالشر لا يشارك في إنتاج الخير، والقطبان متضادان بشكل مطلق. إن استحضار نموذج الزرادشتية يُلزمنا بطرح السؤال التفكيكي: هل كان التصور الجاهلي للملائكة والشياطين على هذه الدرجة من الترسيم والتقابل المطلق؟ ويبدو أن الفكر العربي القديم، الذي وُصف بأنه كان في "ضلال مبين" عقائدياً (حالة الجزيرة العربية قبل الإسلام/موقع جامعة المدينة المنورة)، لم يتبنَّ هذا النظام الثنائي الصارم، بل كان فكره الإنساني مختلطاً "بجوانب من حقيقة وخرافة ووهم" (أحمد علي هاشم/الملائكة والشياطين والجان في الأدبين الجاهلي والإسلامي، 2020)، فقوى الخير وقوى الشر كانت تتصارع فيما بينها مثل البشر، ولم تكن هناك فكرة خير مطلق أو شر مطلق، بل إن الآلهة نفسها كانت فيها سمات الخير والشر معاً (موقع ويكيبيديا/الخير والشر، تاريخ النشر غير محدد)، هذا الاختلاف الجذري في البنية اللاهوتية يفتح الباب أمام المنهج التفكيكي لاختراق النصوص الجاهلية، والكشف عن التناقضات والفجوات الدلالية التي قاومت الترسيم المطلق. ثانياً- استقراء حضور الغيب في النصوص الجاهلية: مرونة الكائنات الرمادية: وينتقل المقال إلى الإجراء التفكيكي الأول، وهو "البحث عن التناقضات في النص الأدبي" (عمر التاور/استراتيجية التفكيك عند جاك دريدا الهدم والبناء، 2014)، هذه التناقضات تكمن في طريقة توظيف الملائكة والشياطين والجن في الشعر الجاهلي، والتي لا تتوافق مع الثنائية اللاهوتية الصارمة. أ‌- الملائكة: من المركزية المطلقة إلى الشبهة الوثنية: كانت الملائكة في التصور اللاهوتي اللاحق تجسيداً للخير المطلق والطاعة المحضة، لكن في الفكر الجاهلي، إذ لم تكن صورتها صافية وخالية من الشوائب الوثنية، ويمكن تلمس ذلك عن طريق: 1- الغموض والعبادة: كانت الملائكة في الموروث الجاهلي كائنات غامضة ومحاطة بالخفاء، ووصل الأمر ببعض القبائل إلى الاعتقاد بأن الملائكة "بنات الله"، فعبدوهن ككيانات إناث، وهذا التصور يخرق مفهوم الطهارة والخيرية المطلقة، ويُدخلها في دائرة الوثنية التي ترى الملائكة كآلهة صغرى محايدة أو مرتبطة بالآلهة الرئيسية (أحمد علي هاشم/الملائكة والشياطين والجان في الأدبين الجاهلي والإسلامي، 2020)، إن هذا التوظيف للملائكة، كطرف يُفترض فيه الكمال الأخلاقي، بوصفه طرفاً يُعبد في سياق وثني، يمثل نقطة تفكيكية تخلخل ثبات مركزية الخير. 2- ضعف الحضور النصي: إن حضور الملائكة كطرف لاهوتي قوي ومطلق في النصوص الجاهلية، ضعيف ومحدود مقارنة بالجن والشياطين، مما يدل على أن دورها لم يكن مركزياً في المتخيل الجاهلي، فالبحث عن مواضع ورود "المَلك" في الشعر الجاهلي وأغراضه يوضح أن الشعراء لم يركزوا عليها بذات الكثافة والعمق الذي تناولوا به الجان وأساطيرهم (أحمد علي هاشم/الملائكة والشياطين والجان في الأدبين الجاهلي والإسلامي، 2020)، هذا الغموض وقلة التركيز يترك فراغاً دلالياً، يُملأ لاحقاً بالتقعيد اللاهوتي، لكنه يظل في المتن الجاهلي دليلاً على عدم اكتمال "مركزية الخير". ب‌- شياطين الشعراء: الهامش المنتج للقيمة: على النقيض من الملائكة الغامضة، كانت الشياطين والجن، التي تمثل طرف "الشر/الهامش"، ذات حضور "عالٍ" و"مُنتج للقيمة" في التصور الجاهلي (نوال سعد كاطع/الجن والإنسان في الشعر الجاهلي، 2007)، ويكمن التناقض التفكيكي الأبرز في وظيفة الجن والشياطين في العصر الجاهلي، التي لم تقتصر على العداء والإغواء، بل شملت جوانب إيجابية، منها: 1- الجن الأخيار وحفظ الوعود: لقد آمن الجاهليون بوجود كائنات غيبية يمكن التعامل معها والاستعانة بها وتسخيرها، وحتى مكافأتها (نوال سعد كاطع/الجن والإنسان في الشعر الجاهلي، 2007)،، وتُظهر الروايات وجود "جن أخيار" ساعدوا البشر، وساعدوا الشعراء، وحفظوا الوعود (عبد اللطيف بن علي العريشي/الجن في الشعر الجاهلي: دراسة أسطورية، 2018)، هذا التداخل الدلالي يضع هذه الكيانات في منطقة "رمادية"؛ فهي لا تتسم بالشر المطلق، مما يكسر التقسيم الحاد للثنائية. 2- الشيطان بوصفه مصدر الإبداع (الإنزياح الدلالي): تُعد ظاهرة "شياطين الشعراء" ذروة التناقض الذي ينهار عنده النظام الثنائي (نوال سعد كاطع/الجن والإنسان في الشعر الجاهلي، 2007)، فالشعر، بوصفه أعلى قيمة ثقافية وجمالية ومعرفية لدى العرب، كان يُعزى في مصدره إلى الكيان الذي سيعرف لاحقاً بأنه مصدر الشر المطلق. فكان لكل شاعر جني خاص به، ومن أسمائهم: مسحل بن جندل شيطان الأعشى، ولافظ بن لاحظ شيطان امرئ القيس (أسامة علي/حكايات طريفة عن شياطين الشعراء، 2019)، وتوثق الأخبار أن هذا الشيطان كان هو الأصل الذي يلقي القصيدة كاملة على الشاعر (فصل من كتاب/الشيطان في الإلهام الشعري، تاريخ النشر غير محدد)،ويروى أن الأعشى التقى بشيطانه مسحل، الذي أنشده قصيدة كاملة مدح بها قيس بن معد يكرب، كما أنشده قصيدة هجاء بحق يزيد بن مسهر، لم يكن الأعشى يعرفها (فصل من كتاب/الشيطان في الإلهام الشعري، تاريخ النشر غير محدد)، وإن اعتبار الشيطان (طرف الشر) هو "المُنتِج" للإبداع (طرف الخير الجمالي) يُعدّ دليلاً نصياً حاسماً على تفكيك الثنائية، ففي هذه الحالة، يصبح الهامش (الشر/الشيطان) هو شرط وجود المركز (الإبداع/القيمة)، مما يقلب الهرمية الميتافيزيقية ويضع الشيطان/الجن في منزلة "الفارماكون" (Pharmakon)، أي المادة التي هي في آن واحد سم ودواء (إبراهيم محمود خليل/النقد الأدبي الحديث من المحاكاة إلى التفكيك، 2015). ثالثاً- تفكيك عناصر النص: قلب الهرمية وكشف الهيمنة الميتافيزيقية: بعد رصد التناقضات، تتجه الباحثة إلى الإجراء التفكيكي الثاني، وهو "تفكيك عناصر النص الأدبي وهدم المعنى التقليدي المتعارف عليه" (عمر التاور/استراتيجية التفكيك عند جاك دريدا الهدم والبناء، 2014)، وهذه المرحلة تتعلق بقلب الهرمية الضدية وإظهار أن الهامش كان له "أثر" (Trace) جوهري في تشكيل المركز الجاهليعن طريق: أ‌- قلب الهرمية: انتصار "الشر المُلهِم" على "الخير الغامض": في التحليل التفكيكي، يتم التركيز على "إرادة السلطة" التي تعمل على تثبيت الثنائيات وفرض التراتبية (محمد هموش/استراتيجية التفكيك في مقاربة النص الأدبي، 2021)، وفي الحالة الجاهلية، نجد أن الترتيب التقليدي (الملائكة / الشياطين) يُنقض في الواقع النصي من خلال: 1. مركزية الإبداع من الهامش: فالمجتمع الجاهلي، رغم كونه مجتمعاً قبلياً يخشى الغيب، لم يجد حرجاً في نسبة أثمن نتاجه (الشعر) إلى كيانات يُفترض أنها سلبية، إن الشاعر الجاهلي كان قابلاً على تجسيد هواجسه وأخيلته في هذه الكائنات (أحمد علي هاشم/الملائكة والشياطين والجان في الأدبين الجاهلي والإسلامي، 2020)، ولا شك في أن هذا القبول الاجتماعي والثقافي يجعل القوة التي تنتج الإبداع (الشيطان) ذات حضور وجودي وفكري أقوى من القوة التي تمثل الطاعة المطلقة (الملاك)، التي ظل حضورها مرتبطاً بالوثنية والغموض. 2. الـ "لا-قرار" في التصنيف: إن طبيعة الجن والشياطين في النصوص الجاهلية تملصت من القولبة المنهجية المحددة للخير أو الشر المطلق (أسامة علي/حكايات طريفة عن شياطين الشعراء، 2019)، فالجن يساعدون، يحفظون الوعود، ويزوجون (الجن الأخيار)، بينما نجد الملائكة في بعض التصورات ضمن خانة العبادة الوثنية (بنات الله)، هذا التداخل والالتباس يثبت أن البنية الفكرية الجاهلية لم تتجه نحو "اللاهوتية القطعية" بل كانت مفتوحة على حالة من "الغموض المفاهيمي" (موقع مجلة ابن خلدون/التفكيكية بين النشأة والمفاهيم، 2024). ب‌- التفكيك كـ "تعرية للإرادة اللاهوتية اللاحقة": إن تفكيك الثنائية الجاهلية يُعدّ خطوة نقدية مهمة؛ لأنها تكشف عن "إرادات السلطة" الكامنة خلف تثبيت الثنائيات اللاحقة (موقع شبكة الديمقراطيين/الخطاب الفقهي الإسلامي، تاريخ النشر غير محدد)، فعندما تم تأسيس النظام اللاهوتي الإبراهيمي، كان لا بد من ترسيم الثنائيات بشكل مطلق: الخير كلّه في الملائكة، والشر كلّه في الشيطان. تُظهر عملية التفكيك أن هذا الترسيم هو عملية "قمع" أو "إعادة تأويل" للأدوار الإيجابية التي كانت للجن والشياطين في مرحلة ما قبل التوحيد الميتافيزيقي، فالنص الجاهلي، في فجواته وتناقضاته، يقاوم هذا الترسيم ويُظهر أن الحقيقة الكونية في تلك الفترة كانت أكثر تعقيداً ودينامية مما يسمح به نظام ثنائي صلب، إن التفكيك في هذه الحالة، هو إبراز لتلك القوى المتنافرة التي تعمل على تقويض النص ذاتياً، وتقديم النص كـ "نسيج عنكبوتي" يخفي قانون تركيبه وقاعدة لعبته (عمر التاور/استراتيجية التفكيك عند جاك دريدا الهدم والبناء، 2014). رابعاً- إعادة بناء المعنى: نحو أنطولوجيا "اللا قرار" وتداخل الأدوار الوجودية: الخطوة الثالثة والأخيرة في الإجراء التفكيكي هي "بناء معنى جديد من خارج المعاني الممكنة"، وهو ما يسمى بـ "إعادة البناء" (Reconstruction) (عمر التاور/استراتيجية التفكيك عند جاك دريدا الهدم والبناء، 2014)، ولا يعني هذا البناء تقديم نسق بديل أو نظاماً لاهوتياً جديداً (عمر التاور/استراتيجية التفكيك عند جاك دريدا الهدم والبناء، 2014)، بل إعادة رسم معالم فكر كوني ينأى عن كل مركز أو ميتافيزيقا (عمر التاور/استراتيجية التفكيك عند جاك دريدا الهدم والبناء، 2014)، عن طريق: أ‌- اللامركزية والتهجين الدلالي: إن المعنى الجديد الذي تكشف عنه عملية التفكيك للنصوص الجاهلية هو مفهوم "اللامركزية الوجودية" و"التهجين الدلالي" للكائنات الغيبية، من خلال: 1- تفكيك المركزية اللاهوتية: إذ لم يكن الوجود الجاهلي محكوماً بمركزية لاهوتية ثابتة، بل كان فضاء دلالياً مرناً يجسد فيه الشاعر هواجسه وأخيلته (أحمد علي هاشم/الملائكة والشياطين والجان في الأدبين الجاهلي والإسلامي، 2020)، فالملائكة لم تكن مصدر الوحي المقدس أو الخير المطلق فحسب، بل كانت في بعض الأحيان مجرد آلهة صغرى قابلة للعبادة الوثنية، وهذا يحررها من مركزية "الطاعة والخير" التقليدية. 2- تهجين الأدوار الوجودية: الشياطين والجن لم تكن مصدر الشر المطلق، بل كانت كائنات مادية (من نار) تشارك في عالم البشر بشكل فاعل ومُنتج، بل إن الأساطير أشارت إلى وجود "أرواح مهجنة بين الإنسان والشيطان" و"كائنات تولد من تزاوج الإنسان والشيطان" (قناة يوتيوب/الأنطولوجيا في الفلسفة الميتافيزيقية عند كانط وهايدغر ودريدا، تاريخ النشر غير محدد)، هذا التهجين الوجودي يكسر الثنائية اللاهوتية للنقاء والخبث، ويُرسّخ فكرة التداخل في الأدوار، الكائن الغيبي في الجاهلية هو قوة وجودية مُغايرة (Différant) ومؤجّلة المعنى، لا يمكن وضعها في تصنيف قاطع، ب‌- العودة إلى الاختلاف: الشعر كحقل للتأويل الدائم: إن إعادة بناء المعنى تكمن في التأكيد على أن النصوص الجاهلية تظل حقلًا لـ "اللغة والتأويل" المستمر، والذي يُعاد إنتاج المعنى فيه باستمرار (عمر التاور/استراتيجية التفكيك عند جاك دريدا الهدم والبناء، 2014)، هذا يعني أن الشعر الجاهلي بحد ذاته كان يمارس التفكيك دون أن يعي آلياته الفلسفية، فبمجرد أن ينسب الشاعر الإبداع (الخير) إلى شيطانه (الشر)، فهو يمارس "الاختلاف" الدلالي الذي ينأى عن الثبات اللاهوتي. ويصبح مفهوم "اللا قرار" هو النتيجة المعرفية الأكثر دقة: إذ لم تكن العلاقة بين الإنسان والغيبيات في الجاهلية تقوم على معادلة بسيطة (أطع الملاك/اهرب من الشيطان)، بل كانت تقوم على حذر واحترام لكلتا القوتين، اللتين قد تتبادلان الأدوار الوظيفية (إلهام من شيطان، أو عبادة لوثن ملاك)، هذا الغموض والقلق المفاهيمي (موقع مجلة ابن خلدون/التفكيكية بين النشأة والمفاهيم، 2024 ) هو ما يكشفه المنهج التفكيكي، ويؤكد أن الفكر الجاهلي كان في حالة من "الصيرورة المستمرة التائهة التي لا تعرف الثبات" (بتول قاسم ناصر/التفكيكية: تقويض ميتافيزيقا الأصل، 2019). نخلص من ذلك إلى أن نتائج التفكيك والآفاق المستقبلية نجحت في تطبيق استراتيجية التفكيك على ثنائية الخير والشر في التصور الجاهلي للكائنات الغيبية، وكشفت عن مجموعة من النتائج الجوهرية: 1- هشاشة البنية اللاهوتية الجاهلية: أثبت المقال أن تصور الجاهليين للملائكة والشياطين لم يكن نظاماً ثنائياً صارماً ومطلقاً، كما هو الحال في اللاهوت الزرادشتي، بل كان نظاماً مرناً وقابلاً للتهجين الدلالي، مما أتاح للشيطان والجن اكتساب أدوار إيجابية ومُنتجة للقيمة الثقافية (الشعر). 2- شيطان الشاعر كدليل تفكيكي: إذ تمثل ظاهرة "شياطين الشعراء" ذروة التناقض؛ حيث أن الأصل (الإبداع الشعري) ينشأ من النقيض الميتافيزيقي (الشيطان/الهامش)، هذا يقلب الهرمية ويثبت أن الهامش كان شرطاً لوجود المركز الجمالي. 3- النتيجة المعرفية(أنطولوجيا اللا قرار): ثبت أن إعادة بناء المعنى تقودنا إلى مفهوم "اللامركزية" و"اللا قرار" في الوجود الجاهلي؛ فالعلاقة بين الإنسان والغيبيات كانت علاقة تداخل وتهجين، وليست تضاداً قطبياً، وقد جاء ترسيم الثنائية وتثبيت مركزية الخير المطلق في مرحلة لاحقة كجزء من عملية تأسيس المركزية الفكرية واللاهوتية. إن هذه القراءة التفكيكية تدعو إلى إعادة النظر في كيفية قراءة النصوص التراثية، وعدم الاكتفاء بالمنهج الوصفي التحليلي التقليدي، بل التوغل في أعماق النص للكشف عن التناقضات والفجوات الدلالية التي تقاوم وحدة المعنى، مما يفتح آفاقاً جديدة لتأويل الأسطورة العربية القديمة. الدكتور سعيد مراد الكريطي

جامعة المستقبل

مؤسسة تعليمية تابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق

روابط مهمة

وزارة التعليم العالي

اللجنة التوجيهية

المدراء

الأكاديميون

الكادر التدريسي

الطلبة

أنظمة الدراسات

عملية التقييم

الهيكل التنظيمي

القواعد واللوائح

معلومات الخريجين

المواقع البحثية

Scopus

Research Gate

Google Scholar

ORCID

Web Of Science

مركز المساعدة

حول الجامعة

الكليات والأقسام

البوبات الألكترونية

دليل الجامعة

تواصل معنا

جامعة المستقبل - جميع الحقوق محفوظة ©2025