يمثّل تدريس الفن مساحة تتجاوز حدود المعلومات الأكاديمية البحتة؛ فهو عملية تفاعلية تقوم على الإلهام، والتجريب، وإثارة الدهشة في نفوس المتعلمين. وهنا يظهر دور المعلّم بوصفه ليس ناقلًا للمعرفة فقط، بل محفِّزًا للإبداع ومسؤولًا عن خلق بيئة تعليمية نابضة بالحياة. ومن أهم المفاتيح التي تصنع هذا النجاح هو حبّ المعلّم للمادة التي يقدمها.
أولاً: حبّ المادة يشعل فضول المتعلمين
حين يتحدث المعلّم بشغف عن العمل الفني، أو عن تاريخ مدرسة فنية معينة، أو عن تقنية إبداعية جديدة، ينتقل هذا الحماس تلقائيًا إلى طلابه. يشعر المتعلم بأن ما يسمعه ليس مجرد محتوى إلزامي، بل تجربة حيّة تستحق التفاعل. هذا الشغف يرفع مستوى الانتباه ويُحفّز الأسئلة ويعزز المشاركة، مما يجعل المحاضرة ديناميكية وليست نمطية.
ثانيًا: الشغف يجعل المعرفة عميقة وسهلة الفهم
المعلّم المحب لمادته غالبًا ما يبذل جهدًا إضافيًا في البحث والاطّلاع واختيار الأمثلة المناسبة. فهو لا يكتفي بتقديم معلومات سطحية، بل يربط بين الفكرة وأصلها الفني، وبين التقنية وأثرها الجمالي، وبين النظرية والتطبيق. هذه المعرفة العميقة تجعل المحتوى أكثر وضوحًا، وتساعد الطلاب على بناء فهم راسخ وأساسي للإبداع الفني.
ثالثًا: بيئة تعليمية مُلهِمة تدفع نحو الإبداع
الفن مجال يحتاج إلى مساحة آمنة لتجريب الأفكار، واقتراح الحلول، والتعبير الحر. المعلّم الذي يحب مادته ينقل هذا الحب إلى طريقة تدريسه، فيخلق جوًا مشجعًا على التجربة دون خوف من الخطأ. وبهذا يصبح المتعلم أكثر استعدادًا لاكتشاف موهبته وتطوير قدراته، لأنه يدرك أن الإبداع رحلة وليس نتيجة.
رابعًا: حبّ المادة يُظهر المعلّم في صورة نموذج يُحتذى به
الطلاب يشعرون سريعًا بصدق المعلّم. فإذا لاحظوا أنه مستمتع بما يقدّمه، وجدوا فيه مصدر إلهام. ومن هنا يصبح تأثيره أبعد من حدود الصف؛ فهو يزرع احترام الفن، ويعزز تقدير الجمال، ويدفع الطلاب إلى رؤية الفن كمساحة للتفكير والتغيير.
ختامًا
إن نجاح محاضرات الفن لا يرتبط بالمنهج وحده، بل بالروح التي تُقدَّم بها. فعندما يُدرَّس الفن بشغف، يتحوّل الدرس إلى تجربة، والمعلّم إلى ملهم، والطلاب إلى مبدعين. وهكذا يصبح حبّ المادة جسرًا ينتقل به المتعلمون من مجرد الفهم إلى سعة الإبداع.
ارتباط بأهداف التنمية المستدامة:
يُسهم تدريس الفن بشغف في تحقيق الهدف الرابع: التعليم الجيد، من خلال تعزيز جودة التعلم، وتحفيز التفكير الإبداعي، وتوفير بيئة تعليمية ملهمة لجميع الطلاب.