م.م غدير حيدر سعيد
تواجه المجتمعات العربية اليوم تحديات بيئية متنامية، مثل شحّ المياه وتدهور الغابات وتلوّث الهواء. ومع تزايد الوعي بهذه القضايا، برزت النصوص البيئية كوسيلة للتوعية والتحفيز. وتُعد بلاغة النداء والتحذير من أبرز الأساليب التي اعتمد عليها الكتّاب والخبراء لإيصال رسائلهم، لما تمتلكه من قدرة على التأثير المباشر في القارئ وإثارة انتباهه إلى الأخطار المحيطة بالبيئة.
أولًا: النداء بوابة جذب الانتباه البيئي
يمتلك النداء وظيفة تواصلية تتجاوز مجرد استدعاء المخاطَب؛ فهو في النصوص البيئية يتحول إلى أداة لإثارة الشعور بالمسؤولية الجماعية.
فعندما يقول الكاتب: "يا من تحبون جمال هذه الأرض، احرصوا على نقاء هوائها"، فإنه لا يخاطب فردًا بعينه، بل يخاطب جمهورًا واسعًا يشترك في علاقة وجدانية مع الأرض.
ومثل هذه الصياغات تُسهم في:
جعل القارئ يشعر بأنه معنيّ بالقضية البيئية.
تحويل المشكلة البيئية من موضوع علمي إلى مسألة مرتبطة بالهوية والانتماء.
خلق اتصال مباشر بين النص والمتلقي.
كما أن النداء يعزز التفاعل العاطفي؛ فالقارئ حين يُنادى مباشرة يكون أكثر استعدادًا لتقبّل الرسالة البيئية وتبنّي السلوكيات التي يدعو إليها النص.
ثانيًا: التحذير ودوره في بناء الوعي بالخطر
يأتي التحذير في النصوص البيئية ليكشف للقارئ حجم التهديد الذي قد تواجهه الأرض والإنسان إذا استمر الإهمال البيئي.
ويُستخدم بأساليب لغوية قوية مثل: "احذروا"، "انتبهوا"، "لا تهدروا"، "إياكم"، لتوليد حسّ بالمسؤولية.
والتحذير لا يقتصر على التنبيه، بل يضع المتلقي أمام عواقب واضحة، مثل:
"احذروا تلويث النهر، فإن ذلك يهدد صحة المجتمع كله."
"إياكم والإفراط في استهلاك الكهرباء، فالطاقة ليست موردًا لا ينفد."
ومن خلال هذا الأسلوب، يتحول الخطر من فكرة مجردة إلى واقع يمكن تصوّره، مما يزيد من قوة الرسالة ويدفع القارئ للتفكير في ممارساته اليومية.
ثالثًا: التفاعل بين النداء والتحذير في الخطاب البيئي
حين يجتمع النداء مع التحذير في نص واحد، تصبح الرسالة أكثر فاعلية. فالنداء يستحضر المتلقي ويوقظ اهتمامه، ثم يأتي التحذير ليقدّم له الحقيقة كما هي، محملة بالآثار المحتملة لإهمال البيئة.
مثل قول الكاتب:
“يا أبناء هذا الوطن، احذروا تدمير التربة، فهي أساس غذائنا وقوت أجيالنا القادمة.”
هذا التكامل يجعل النص قادرًا على:
إبراز الخطر بشكل مباشر وواضح.
ربط المتلقي بالقضية نفسيًا وعمليًا.
تعزيز الوعي وتحفيز السلوك البيئي المسؤول.
رابعًا: أثر هذه الأساليب في دعم مفهوم الاستدامة
تسهم بلاغة النداء والتحذير في بناء ثقافة بيئية قائمة على الحفاظ على الموارد وحماية الأنظمة الطبيعية. فالسلوك المستدام يحتاج إلى خطاب مؤثر، وهذه الأساليب البلاغية تحقق تأثيرًا سريعًا وواضحًا، لأنها تخاطب العقل والعاطفة معًا.
وتساعد هذه البلاغة في:
• نشر الوعي البيئي بين فئات المجتمع، وخصوصًا الشباب
• تعزيز الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه الموارد الطبيعية.
• دعم المبادرات البيئية من خلال خطاب لغوي قوي ومباشر.
خاتمة
تؤكد دراسة بلاغة النداء والتحذير في النصوص البيئية العربية أن الخطاب اللغوي ليس مجرد وسيلة للتعبير، بل أداة للتغيير. فالبيئة اليوم بحاجة إلى خطاب مؤثر قادر على توجيه السلوك وبناء وعي مستدام، وهو ما ينجح فيه النداء والتحذير بفضل قوتهما البلاغية وقدرتهما على الوصول إلى المتلقي بأسلوب واضح ومباشر.