العنف والجريمة يشكلان من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة، لأنهما لا يقتصران على تهديد الأفراد وممتلكاتهم، بل يمتدان لعرقلة مسار التنمية المستدامة، وخاصة ما يتعلق بالهدف السادس عشر الذي يدعو إلى بناء مجتمعات سلمية وتوفير العدالة للجميع وتعزيز المؤسسات القوية. فعندما تنتشر مظاهر العنف والجريمة تتأثر البيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بصورة مباشرة، مما يجعل تحقيق التنمية أكثر صعوبة ويضعف ثقة الناس بالمؤسسات وقدرتها على حمايتهم.
تبدأ آثار العنف على التنمية من الجانب الاجتماعي إذ يؤدي انتشار الاعتداءات والنزاعات إلى خلق حالة من الخوف وانعدام الأمان بين الناس. هذه الحالة تجعل العلاقات الاجتماعية أكثر هشاشة وتضعف الترابط بين أفراد المجتمع. كما أن العنف يضر بخدمات التعليم والصحة، فالمناطق غير الآمنة غالباً ما تشهد انخفاضاً في حضور الطلبة للمدارس وتراجعاً في جودة الخدمات العامة، مما يؤثر مستقبلاً على القدرات البشرية التي تعتبر أساس التنمية.
من الناحية الاقتصادية، يلحق العنف والجريمة خسائر مباشرة وغير مباشرة بالدولة. فالاستثمار ينخفض عندما يشعر المستثمرون بعدم الاستقرار، وتزداد تكاليف حماية الممتلكات والخدمات، مما يؤثر على الناتج المحلي وفرص العمل. كما تستهلك الحكومات مبالغ كبيرة على الأمن بدل أن توجهها إلى التعليم والبنية التحتية والتنمية البشرية. إضافة إلى ذلك يعاني الأفراد أنفسهم من آثار اقتصادية لأن الأعمال التجارية الصغيرة تتضرر بشدة في البيئات التي تنتشر فيها الجرائم.
أما على المستوى السياسي والمؤسساتي، فإن ارتفاع معدلات الجريمة يؤدي إلى تراجع الثقة في أجهزة الدولة، خاصة إذا كانت غير قادرة على الحد من العنف أو توفير العدالة بشكل منصف. وعندما يشعر المواطنون بأن الحقوق غير مصانة كما أن العنف قد يُستغل أحياناً لخلق فوضى تعرقل عمل المؤسسات، وهذا يمثل عائقاً مباشراً أمام تحقيق الهدف السادس عشر الذي يرتكز أساساً على مؤسسات عادلة وشفافة وقادرة على توفير الحماية.
إن وجود السلام المجتمعي يشكل الأساس لكل تنمية ناجحة. فالمجتمعات التي تنخفض فيها معدلات الجريمة تتمتع بنشاط اقتصادي أعلى، وبمشاركة اجتماعية أكبر، وبثقة أوضح بالمؤسسات الحكومية.
في النهاية، يمكن القول إن العنف والجريمة ليسا مجرد مشكلات اجتماعية عابرة، بل هما عقبتان كبيرتان أمام بناء مجتمعات مزدهرة وفعالة. وتحقيق الهدف السادس عشر يتطلب مواجهة هذه التحديات من خلال تقوية المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وتوفير فرص عادلة للجميع، وتشجيع التعليم الذي يرسخ قيم التسامح والسلام.
جامعة المستقبل الأولى في العراق