شهدت السنوات الأخيرة تطورًا كبيرًا في طرق إبرام العقود، خاصة مع انتشار التعاملات الإلكترونية والتجارة الرقمية، ما جعل العقد الإلكتروني أحد أبرز أشكال العقود المعترف بها قانونيًا في العالم الحديث. في العراق، يُنظر إلى العقد الإلكتروني ضمن نطاق القانون المدني رقم 40 لسنة 1951، الذي ينظم الالتزامات والعقود بشكل عام. وفقًا للمواد 130 و131 و132 من القانون المدني، يجب أن يستوفي العقد ثلاثة شروط أساسية: رضا الطرفين، وجود موضوع محدد، وأهلية قانونية لإبرام العقد.
على الرغم من أن هذه المواد لم تذكر العقد الإلكتروني صراحة، إلا أن المبادئ نفسها تنطبق عليه، بحيث يلتزم الطرفان بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، ويترتب على أي إخلال بالعقد التعويض عن الأضرار الناتجة وفق المواد 170 و171 من القانون المدني، التي تنص على أن كل من يخلف التزامه العقدي يحق للطرف المتضرر المطالبة بالتعويض.
لتكملة الإطار القانوني للعقود الإلكترونية، أصدرت العراق قانون المعاملات الإلكترونية رقم 78 لسنة 2012، حيث تنص المادة 103 على أن:
"تعتبر المعاملة الإلكترونية صحيحة وملزمة إذا تم تنفيذها وفق وسائل إلكترونية موثوقة يمكن الرجوع إليها والتحقق من صحتها."
هذا النص جاء لتوفير أساس قانوني للعقود المبرمة إلكترونيًا، لكنه لا يحدد آليات دقيقة للتوقيع الإلكتروني أو ربطه بهوية الموقّع، مما يخلق فجوة قانونية مقارنة بالقوانين الحديثة في العالم.
في السياق العملي، يترتب على العقد الإلكتروني نفس النتائج القانونية للعقد التقليدي، بما في ذلك الالتزام بالتنفيذ والتعويض عن الإخلال بالعقد، ويطبق ذلك في جميع أنواع المعاملات التجارية والخدمية، سواء بين الأفراد أو المؤسسات. كما أن القوانين العراقية، مثل قانون التجارة رقم 30 لسنة 1984، تسمح باستخدام الوسائل الحديثة في إبرام العقود التجارية، ما يعزز من إمكانية استخدام العقد الإلكتروني في المعاملات الاقتصادية بشكل فعّال.
إلا أن تحديات تظل قائمة، أبرزها إثبات صحة العقد الإلكتروني أمام القضاء، وحماية البيانات الشخصية أثناء تنفيذ المعاملات، وهو ما يحتاج إلى تطوير تشريعات واضحة تحدد معايير الموثوقية والتوثيق الإلكتروني، بما يوازي المعايير المعترف بها عالميًا في قوانين مثل E-SIGN Act الأمريكية 2000 أو التوجيه الأوروبي 1999/93/EC.
في النهاية، يظهر العقد الإلكتروني كأداة حديثة لتسهيل التعاملات المدنية، مع التأكيد على أن المبادئ الأساسية للقانون المدني العراقي – رضا الطرفين، أهليتهم، ووضوح موضوع العقد – تظل حجر الأساس لصحة أي عقد، سواء أكان تقليديًا أم إلكترونيًا. وتبقى الحاجة قائمة لتحديث التشريعات العراقية لضمان حماية الالتزامات المدنية وإعطاء العقود الإلكترونية القوة القانونية الكاملة، بما يتماشى مع التطورات الدولية.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق
SDG4