لم يكن المشهد الانتخابي العراقي في دورته الأخيرة مجرد تنافس سياسي اعتيادي، بل كان أقرب إلى عملية إعادة ضبط لمنظومة الحكم؛ عملية جرت بهدوء، ولكن بذكاء محسوب، مكّنت الأحزاب الحاكمة من تكريس حضورها، رغم حالة التراجع الاجتماعي والخدمي التي يعيشها البلد, هذا التناقض الظاهر بين الواقع المتردّي والنتائج الانتخابية يفتح الباب أمام سؤال لا يزال يتردد في الشارع العراقي:
كيف استطاعت قوى السلطة أن تضمن هذا الفوز؟ فالأحزاب لم تخض الانتخابات كفاعلين سياسيين فقط، بل كقوة تمتلك أدوات الدولة ومواردها, فقد تحوّلت الملاعب والمنشآت الحكومية والمواقع التراثية إلى مسارح دعاية انتخابية، ما منح الحملات الحزبية حجماً لا تستطيع القوى المنافسة مجاراته, كما جرى – بصورة غير معلنة ولكن محسوسة – حشد موظفي القطاع العام وتوجيههم نحو المشاركة في التجمعات الجماهيرية، في إشارة إلى توظيف النفوذ الحكومي لخدمة السباق الانتخابي, وعلى مستوى الكتلة التصويتية الجديدة، بدا واضحاً أن الأحزاب تعاملت مع مواليد 2006–2007 بوصفهم مخزوناً انتخابياً غير مُستَثمر بعد, هؤلاء يدخلون التجربة السياسية لأول مرة، ويحملون تطلعات مباشرة نحو الوظيفة والاستقرار, وقد استُثمرت هذه التطلعات عبر وعود بالتعيينات ومغريات مالية، لتغذية شعور بأن الطريق الأقصر نحو الدور الوظيفي يمر عبر القرب من القوى المتنفّذة, أما القوى التي انبثقت من حراك تشرين، فقد واجهت محاولة (احتواء ناعم) أكثر منه صِدام مباشر, فقد نجحت الأحزاب الحاكمة في تفكيك هذه القوى عبر استقطاب قياداتها بمناصب ومكاسب، فيما عانت القوى المتبقّية من ضعف التنظيم وغياب القدرة على تحويل شعاراتها إلى مشروع سياسي قادر على الصمود, وقد تعمق الفراغ السياسي نتيجة انكفاء عدد من النواب المؤثرين عن خوض الانتخابات، ما أتاح للقوى التقليدية مساحة أوسع لإعادة صياغة المشهد السياسي وفق مصالحها, وبهذا لم يكن فوز الأحزاب الحاكمة حدثاً عابراً، بل نتاج منظومة متكاملة من النفوذ، والتخطيط، واستثمار اللحظة, ومن شأن هذه العودة القوية أن ترسّخ نمط الحكم القائم لأربع سنوات قادمة على الأقل، مع امتداد جذور السلطة عميقاً في مفاصل الدولة, غير أن هذا المشهد، بكل ما يحمله من ثبات ظاهري، يترك سؤالاً مفتوحاً حول احتمالات الإصلاح، وهي احتمالات تبدو ضعيفة ما لم يظهر مشروع وطني جديد قادر على كسر دائرة النفوذ وإعادة توجيه الدولة نحو خدمة المجتمع، لا إعادة إنتاج السلطة.
بقلم ضياء سامي الطالب في قسم الاعلام
جامعة المستقبل الجامعة الاهلية الاولى في العراق