المقدمة
في حين تركز معظم جهود ترشيد المياه على الاستخدام المنزلي أو الزراعي، يبقى قطاع الرعاية الصحية من أكبر القطاعات المستهلكة للمياه وأكثرها تعقيداً من حيث المتطلبات. تستهلك المستشفيات والمراكز الطبية كميات هائلة من المياه النقية والمعالجة لتشغيل الأجهزة الطبية الحيوية، وتعقيم البيئة، وتوفير الرعاية المباشرة للمرضى. تبرز هنا إدارة المياه كمسؤولية مزدوجة: حماية الصحة العامة من خلال ضمان جودة المياه، وحماية المورد الطبيعي من خلال تقليل الهدر.
التحدي المزدوج: الجودة مقابل الكمية
1. جودة لا تقبل المساومة: في العديد من التطبيقات الطبية، وخاصة الغسيل الكلوي والعمليات الجراحية وتجهيز الأدوات، يجب أن تصل نقاوة المياه إلى مستويات تفوق مياه الشرب العادية. أي خلل في نظام التنقية (مثل أجهزة التناضح العكسي RO) قد يعرض حياة المرضى للخطر. لذلك، تكون الأولوية القصوى للسلامة.
2. كميات هائلة مهدرة: تكمن المفارقة في أن العمليات المصممة للحفاظ على الصحة قد تهدر كميات ضخمة من المياه. جهاز الغسيل الكلوي التقليدي، كمثال صارخ، قد يستخدم ما بين 120 إلى 250 لتراً من الماء النقي للغاية في جلسة علاج واحدة لمريض. ويضاف إلى ذلك المياه المستخدمة في تعقيم الأجهزة وشطفها بين الجلسات.
ركائز الإدارة الفعّالة للمياه في المنشأة الصحية:
يمكن التغلب على هذه المفارقة من خلال إستراتيجية ذكية تعتمد على أربع ركائز:
1. التقييس والمراقبة (Standardization & Monitoring):
· وضع بروتوكولات واضحة لعمليات التشغيل والصيانة التي تستهلك المياه (كالتعقيم، والغسيل).
· تركيب عدادات ذكية عند نقاط الاستخدام الرئيسية (أقسام الغسيل الكلوي، التعقيم المركزي، غرف العمليات) لتحديد البؤر عالية الاستهلاك ورصد التسريبات.
2. الاستثمار في التقنية (Technology Investment):
· التحول إلى الأجهزة الطبية الموفرة للمياه، مثل أجهزة الغسيل الكلوي المزودة بأنظمة إعادة تدوير مياه الشطف (Rinse Water Reuse).
· صيانة دورية لمنظومات معالجة المياه (RO) لضمان كفاءتها وتقليل نسبة المياه المطرودة (Reject Water).
· دراسة إمكانية إعادة استخدام المياه الرمادية الناتجة عن بعض العمليات (مثل مياه التبريد، أو مياه الشطف الأولية) في أغراض غير طبية مثل الري أو تنظيف الأرضيات، مع وضع ضوابط صارمة لمنع التلوث المتقاطع.
3. بناء الثقافة المؤسسية (Building an Institutional Culture):
· تدريب جميع العاملين – من الفنيين والممرضات إلى طاقم النظافة – على أهمية ترشيد المياه في مجالهم المحدد.
· تحفيز الأقسام على الابتكار في تقليل الهدر وربط ذلك بأهداف الأداء المؤسسي.
4. الإدارة المتكاملة للموارد (Integrated Resource Management):
· اعتبار إدارة المياه جزءاً من نظام إدارة الجودة والسلامة في المستشفى، وليس قضية فنية منعزلة.
· تقييم البصمة المائية للمستشفى ككل والسعي لخفضها، مما ينعكس إيجاباً على التكاليف والسمعة البيئية.
الغسيل الكلوي: نموذج للتطبيق
يمثل قسم الغسيل الكلوي مختبراً مثالياً لتطبيق هذه الركائز. حيث يمكن:
· تقنين بروتوكولات شطف وتعقيم الأجهزة.
· تركيب أجهزة حديثة تعيد تدوير المياه.
· تدريب الفنيين على الكشف المبكر عن التسريبات.
· إعادة استخدام المياه الراجعة من وحدة التناضح العكسي في ري الحدائق.
خلاصة المقالة:
إدارة المياه في الرعاية الصحية ليست رفاهية بيئية، بل هي ضرورة أخلاقية واقتصادية. إنها تعني التوازن الدقيق بين تأمين أعلى معايير الجودة للمريض، والاستخدام الأمثل للموارد الشحيحة. من خلال تبني نهج منهجي يجمع بين التقنية المتطورة والبروتوكولات المحكمة والوعي المستمر، يمكن للمستشفيات والمراكز الطبية أن تكون قدوة في الحفاظ على صحة الإنسان وكوكب الأرض في آن واحد. الاستثمار في ترشيد المياه هو، في جوهره، استثمار في رعاية صحية أكثر استدامة ومرونة.
جامعة المستقبل الجامعة الأولى في العراق