تُعد الكيمياء التحليلية من الركائز الأساسية للعلوم الكيميائية، إذ تهدف إلى تحديد مكونات المواد الكيميائية بدقة نوعية وكمية، وفهم خصائصها الفيزيائية والكيميائية. وقد تطور هذا الفرع العلمي ليصبح أداة محورية في البحث العلمي والتطبيقات الصناعية والطبية والبيئية، معتمداً على تقنيات متقدمة وأساليب قياس عالية الحساسية.
تركز الكيمياء التحليلية على تطوير طرائق موثوقة للكشف عن العناصر والمركبات، سواء كانت موجودة بتراكيز عالية أو آثار ضئيلة جداً. وتلعب مفاهيم مثل الدقة، والصحة، وحدود الكشف، دوراً أساسياً في تقييم جودة النتائج التحليلية. كما تعتمد معظم الأساليب التحليلية الحديثة على التداخل بين الكيمياء والفيزياء والحوسبة، مما يعكس الطبيعة متعددة التخصصات لهذا المجال.
شهدت التقنيات التحليلية تطوراً ملحوظاً مع ظهور أجهزة الفصل والتحليل الطيفي، مثل الكروماتوغرافيا بأنواعها المختلفة، والتحليل الطيفي للأشعة فوق البنفسجية والمرئية، والأشعة تحت الحمراء، والرنين المغناطيسي النووي. وقد أسهمت هذه التقنيات في توسيع نطاق التحليل ليشمل المواد المعقدة، والعينات البيئية، والأنظمة الحيوية، والمنتجات الصناعية عالية التعقيد.
تُستخدم الكيمياء التحليلية على نطاق واسع في المجالات الطبية لتشخيص الأمراض ومراقبة الأدوية، وفي المجال البيئي لرصد الملوثات وتقييم جودة المياه والهواء، وفي الصناعة لضمان جودة المواد الخام والمنتجات النهائية. كما تلعب دوراً أساسياً في البحث العلمي من خلال توفير بيانات دقيقة تُبنى عليها النظريات والتطبيقات اللاحقة.
أدى التطور في تقنيات النانو إلى فتح آفاق جديدة أمام الكيمياء التحليلية، حيث أصبح بالإمكان تصميم مواد وأسطح نانوية ذات حساسية وانتقائية عالية تُستخدم في المجسات الكيميائية وأنظمة الاستشعار المتقدمة. وقد ساهم هذا التقدم في تحسين سرعة التحليل وتقليل استهلاك العينات والكواشف، مما يتماشى مع مبادئ الكيمياء الخضراء والاستدامة.
في الختام، تمثل الكيمياء التحليلية أداة لا غنى عنها لفهم المادة والتحكم في خصائصها، كما تشكل حلقة وصل أساسية بين البحث العلمي والتطبيق العملي. ويستمر هذا العلم في التطور مدفوعاً بالحاجة إلى دقة أعلى، وسرعة أكبر، وحلول تحليلية أكثر أماناً واستدامة، مما يجعله في صميم التقدم العلمي والتقني المعاصر.
جامعة المستقبل الأولى على الجامعات العراقية الأهلية