يشهد القطاع الصحي اليوم تحولًا نوعيًا مع تطور التقنيات الرقمية والأنظمة الذكية، حيث لم يعد الطب مقتصرًا على تشخيص المرض بعد ظهوره أو علاجه في مراحله المتقدمة، بل أصبح يتجه بشكل متسارع نحو مفهوم الطب التنبؤي الذي يهدف إلى توقع الأمراض قبل حدوثها والعمل على الوقاية منها. ويُعد هذا التوجه أحد أبرز إنجازات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة في المجال الطبي، لما يقدمه من إمكانات هائلة لتحسين جودة الحياة وتقليل الأعباء الصحية والاقتصادية.
يعتمد الطب التنبؤي على جمع وتحليل كميات كبيرة من البيانات الصحية، مثل السجلات الطبية الإلكترونية، والعوامل الوراثية، ونمط الحياة، والبيانات الحيوية التي تُجمع عبر الأجهزة الذكية والتطبيقات الصحية. تقوم الأنظمة الذكية باستخدام خوارزميات التعلم الآلي بتحليل هذه البيانات لاكتشاف أنماط خفية وعلاقات معقدة قد لا يستطيع الإنسان ملاحظتها بسهولة، مما يسمح بالتنبؤ باحتمالية إصابة الفرد بأمراض معينة في المستقبل.
تسهم هذه الأنظمة في الكشف المبكر عن العديد من الأمراض المزمنة والخطيرة، مثل أمراض القلب والسكري والسرطان، من خلال تحليل مؤشرات بسيطة قد لا تكون مقلقة في ظاهرها. فعلى سبيل المثال، يمكن للأنظمة الذكية التنبؤ بمخاطر أمراض القلب عبر دراسة التغيرات الطفيفة في ضغط الدم أو معدل ضربات القلب أو مستوى النشاط البدني، مما يتيح التدخل المبكر قبل تفاقم الحالة.
كما يلعب الطب التنبؤي دورًا محوريًا في تخصيص الرعاية الصحية، إذ تساعد الأنظمة الذكية الأطباء على وضع خطط وقائية وعلاجية مخصصة لكل فرد بناءً على خصائصه الصحية والجينية. هذا النهج يقلل من الاعتماد على الأساليب العلاجية العامة، ويعزز فعالية الوقاية من خلال تقديم نصائح دقيقة تتعلق بالتغذية، والنشاط البدني، ونمط الحياة الصحي المناسب لكل شخص.
ومن الجوانب المهمة للطب التنبؤي دوره في دعم القرارات الطبية، حيث توفر الأنظمة الذكية أدوات تحليل متقدمة تساعد الأطباء في اتخاذ قرارات أكثر دقة وسرعة. فبدلًا من الاعتماد الكامل على الخبرة الشخصية فقط، يمكن للطبيب الاستفادة من نتائج تحليل البيانات والتنبؤات المدعومة علميًا، مما يقلل من احتمالية الخطأ ويحسن من جودة الخدمات الصحية المقدمة.
ورغم الفوائد الكبيرة للطب التنبؤي، إلا أن هناك تحديات لا بد من التعامل معها، أبرزها قضايا حماية البيانات والخصوصية، وضمان دقة الخوارزميات، إضافة إلى الحاجة لتأهيل الكوادر الطبية القادرة على التعامل مع هذه التقنيات الحديثة. ومع ذلك، فإن التطور المستمر في مجال الأمن السيبراني وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي يسهم في تجاوز الكثير من هذه العقبات.
في الختام، يمثل الطب التنبؤي نقلة نوعية في مفهوم الرعاية الصحية، حيث تنتقل الأنظمة الطبية من ردّ الفعل إلى الفعل الاستباقي في مواجهة الأمراض. ومع استمرار تطور الأنظمة الذكية، يُتوقع أن يصبح منع الأمراض قبل حدوثها واقعًا ملموسًا، يسهم في بناء مجتمعات أكثر صحة واستدامة، ويعزز دور التكنولوجيا الذكية في خدمة الإنسان.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق.