في العقود الأخيرة، لم يعد الأمن السيبراني مسألة تقنية محصورة ضمن اختصاصات هندسية ضيقة، بل تحوّل إلى قضية استراتيجية تمسّ الأمن الوطني، والاستقرار الاقتصادي، والثقة المجتمعية في النظم الرقمية. ومع التوسع المتسارع في استخدام الشبكات، والأنظمة السحابية، والبنى الرقمية المعقّدة، برزت محدودية النماذج التقليدية القائمة على ردّ الفعل بعد وقوع الهجوم. في هذا السياق، ظهر مفهوم التنبؤ بالأمن السيبراني بوصفه مقاربة جديدة تسعى إلى استباق التهديدات وفهم منطق تشكّلها قبل أن تتحول إلى هجمات فعلية.
يعكس هذا التحول انتقالًا فكريًا عميقًا في فلسفة الأمن السيبراني؛ إذ لم يعد التركيز منصبًا على سؤال “كيف نحتوي الهجوم؟” بقدر ما أصبح موجّهًا نحو سؤال أكثر جوهرية: “كيف نتوقع الهجوم قبل أن يحدث؟”. فالهجمات السيبرانية الحديثة لم تعد أحداثًا عشوائية، بل عمليات منظمة، تتسم بالاستمرارية، والتخفي، والقدرة على التكيف مع البيئات الدفاعية. ومن ثمّ، فإن مواجهتها تتطلب فهمًا ديناميكيًا للسلوك العدائي، لا مجرد آليات كشف ثابتة.
يشكّل تحليل البيانات الضخمة حجر الأساس في أي نموذج تنبؤي للأمن السيبراني. فالشبكات الرقمية تولّد باستمرار كمًّا هائلًا من البيانات، بدءًا من سجلات الأنظمة وحركة المرور الشبكي، وصولًا إلى أنماط استخدام الأفراد والتفاعل مع الخدمات الرقمية. هذه البيانات، عند تحليلها باستخدام أساليب علمية متقدمة، يمكن أن تكشف عن مؤشرات مبكرة لسلوكيات غير طبيعية قد تنذر بهجوم وشيك. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في جمع البيانات، بل في تحويلها إلى معرفة ذات معنى، قادرة على التمييز بين السلوك الطبيعي والانحراف الخطِر، دون الإفراط في الإنذارات الكاذبة.
في هذا الإطار، لعب الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي دورًا محوريًا في تعزيز قدرات التنبؤ. فقد أتاحت هذه التقنيات بناء نماذج قادرة على التعلم من الخبرات السابقة، والتكيف مع أنماط هجومية جديدة، واكتشاف علاقات معقّدة لا يمكن للنماذج التقليدية رصدها بسهولة. ومع ذلك، فإن الاعتماد المتزايد على الخوارزميات يثير تساؤلات نقدية تتعلق بالشفافية وقابلية التفسير، إذ إن النموذج الذي يحقق دقة عالية دون تفسير منطقي قد يكون محدود الجدوى في البيئات التي تتطلب قرارات استراتيجية ومسؤولة.
ولا يمكن إغفال البعد الإنساني والتنظيمي في منظومات التنبؤ بالأمن السيبراني. فالعنصر البشري يظل عاملًا حاسمًا، سواء من حيث كونه مصدرًا محتملًا للثغرات أو ركيزة أساسية للدفاع. كما أن فعالية التنبؤ تعتمد على مدى قدرة المؤسسات على دمج النتائج التقنية ضمن سياسات واضحة، وثقافة أمنية واعية، وآليات صنع قرار تستند إلى الفهم لا إلى الخوف أو المبالغة.
إلى جانب ذلك، يثير التنبؤ بالأمن السيبراني إشكاليات أخلاقية واستراتيجية عميقة، تتعلق بحدود المراقبة الرقمية، وحماية الخصوصية، واستخدام البيانات السلوكية. فالسعي إلى الاستباق قد ينزلق، إذا لم يُضبط بإطار قانوني وأخلاقي، إلى ممارسات تنتهك الحقوق الرقمية للأفراد. كما أن تطور القدرات التنبؤية يعيد تشكيل موازين القوة في الفضاء السيبراني، في ظل سباق متصاعد نحو امتلاك أدوات أكثر ذكاءً وقدرة على التنبؤ.
وخلاصة القول، إن التنبؤ بالأمن السيبراني يمثل مرحلة متقدمة في تطور الفكر الأمني الرقمي، ينتقل فيها التركيز من الدفاع الساكن إلى الاستباق الذكي، ومن الحماية التقنية البحتة إلى الفهم الشامل للتفاعل بين الإنسان والتقنية والتهديد. ولا يكمن التحدي المستقبلي في تحسين دقة النماذج التنبؤية فحسب، بل في بناء منظومات متوازنة تجمع بين الكفاءة التقنية، والرؤية النقدية، والمسؤولية الأخلاقية، بما يسهم في تعزيز الثقة بالنظم الرقمية وفتح آفاق جديدة للبحث العلمي والتطبيق العملي في مجال الأمن السيبراني.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق.