م.م علي حسين جابر
تعد قلة المياه وعدم كفايتها من اخطر المشكلات التي تواجه المجتمعات والدول في العصر الحديث اذ اصبحت هذه الازمة تتفاقم بشكل متسارع نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة وياتي في مقدمتها الزيادة السكانية المستمرة التي تشكل ضغطا كبيرا على الموارد المائية المحدودة اصلا فالمياه تمثل عنصرا اساسيا للحياة والتنمية وتعتمد عليها مختلف القطاعات الحيوية مثل الشرب والزراعة والصناعة والطاقة ومع ازدياد عدد السكان عاما بعد عام تتضاعف الحاجة الى المياه بوتيرة اسرع من قدرة الطبيعة والدول على توفيرها مما يؤدي الى اختلال واضح بين العرض والطلب المائي . ان النمو السكاني السريع يفرض تحديات كبيرة على الدول خاصة في المناطق التي تعاني من شح الموارد المائية حيث يؤدي ارتفاع عدد السكان الى زيادة الاستهلاك المنزلي للمياه واتساع الرقعة الزراعية لتلبية الطلب المتزايد على الغذاء فضلا عن توسع الانشطة الصناعية والخدمية وكل ذلك يحتاج الى كميات كبيرة من المياه ومع محدودية الموارد المائية المتجددة مثل الانهار والمياه الجوفية تبدا الدول بالاستنزاف المفرط لهذه الموارد الامر الذي يسبب انخفاض منسوب المياه الجوفية وجفاف بعض الانهار والبحيرات وتراجع جودة المياه نتيجة التلوث والتركيز العالي للمواد الضارة
ولا تقتصر اثار الزيادة السكانية على الجانب الكمي للمياه فقط بل تمتد الى الجانب النوعي ايضا اذ يؤدي التوسع العمراني غير المخطط له الى زيادة كميات مياه الصرف الصحي والنفايات التي غالبا ما تصرف دون معالجة كافية مما يلوث مصادر المياه العذبة ويجعلها غير صالحة للاستخدام البشري ونتيجة لذلك تتفاقم ازمة المياه في العديد من الدول حيث تصبح كميات المياه المتاحة اقل من احتياجات السكان الفعلية سواء للشرب او للزراعة مما ينعكس سلبا على الامن الغذائي والصحة العامة والاستقرار الاجتماعي
كما ان قلة المياه الناتجة عن الزيادة السكانية تسهم في اعاقة خطط التنمية المستدامة اذ تواجه الحكومات صعوبات كبيرة في توفير الخدمات الاساسية للمواطنين مثل مياه الشرب النظيفة وشبكات الصرف الصحي وتضطر الى انفاق مبالغ طائلة لتامين مصادر بديلة للمياه كتحلية مياه البحر او نقل المياه من مناطق بعيدة وهو ما يشكل عبئا اقتصاديا كبيرا خاصة على الدول النامية ومع استمرار هذا الوضع قد تزداد معدلات الفقر والبطالة وتتصاعد الهجرة الداخلية والخارجية من المناطق التي تعاني من شح المياه الى مناطق اخرى اكثر توفرا مما يخلق ضغوطا اضافية على المدن والبنية التحتية
وتزداد خطورة المشكلة عندما تتقاطع الزيادة السكانية مع عوامل اخرى مثل التغير المناخي وسوء ادارة الموارد المائية حيث تتراجع معدلات الامطار وتزداد فترات الجفاف في الوقت الذي يستمر فيه الطلب على المياه بالارتفاع الامر الذي قد يؤدي الى نشوب نزاعات محلية او اقليمية بين المجتمعات او الدول المتشاركة في الموارد المائية ومن هنا يتضح ان قلة المياه وعدم كفايتها ليست مجرد مشكلة بيئية بل قضية تنموية وامنية تتطلب معالجة شاملة تاخذ بعين الاعتبار النمو السكاني المتزايد وتاثيره المباشر على الموارد الطبيعية
وفي ضوء ما سبق فان مواجهة مشكلة قلة المياه في ظل الزيادة السكانية تستلزم تبني سياسات فعالة تهدف الى تنظيم النمو السكاني وترشيد استهلاك المياه وتحسين كفاءة استخدامها في مختلف القطاعات ولا سيما القطاع الزراعي اضافة الى الاستثمار في التقنيات الحديثة لمعالجة المياه واعادة استخدامها وتعزيز الوعي المجتمعي باهمية المحافظة على هذا المورد الحيوي فالمياه هي اساس الحياة وضمان استدامتها يمثل شرطا اساسيا لتحقيق الاستقرار والتنمية للاجيال الحاضرة والمستقبلية.