بقلم الاستاذ الدكتور خالد حسين المرزوك
يواجه العراق، مهد الحضارات الزراعية، تحدياً وجودياً يتمثل في شحة المياه المتفاقمة، والتي تحولت في بعض الأحيان إلى ندرة فعلية. هذه الأزمة ناتجة عن عوامل متعددة، أبرزها التغيرات المناخية، انخفاض مناسيب نهري دجلة والفرات بسبب السدود والسياسات المائية للدول المجاورة، وتدني كفاءة استخدام المياه في قطاع الزراعة الذي يستهلك النسبة الأكبر من الموارد المائية المتاحة. إن شحة المياه في نهري دجلة والفرات هي نتيجة تفاعلية لثلاثة عوامل رئيسية ومترابطة ؛ وهي : 1- العوامل الإقليمية: السدود والمشاريع في دول المنبع ، اذ يأتي أكثر من 70% من موارد العراق المائية من خارج حدوده (تركيا وإيران وسوريا)، وتُعد مشاريع دول المنبع هي السبب الأكبر والمباشر لانخفاض الوارد المائي وتاتي في مقدمتها المشاريع التركية الضخمة ، اذ نفذت تركيا سلسلة من السدود العملاقة على نهري دجلة والفرات ضمن مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) ، فقد نفذت عددا من المشاريع على نهر الفرات مثل سد أتاتورك، وكيبان، وكاراكايا ، فيما نفذت عددا آخرعلى نهر دجلة مثل سد إيليسو (Ilisu) الذي يعد الاكبر من نوعه فقد أدى تشغيله وملئه إلى انخفاض حاد في حصة العراق من مياه دجلة. ومما زاد في الطين بلة هي السياسة التركية التي تعتبر نهري دجلة والفرات أنهاراً عابرة للحدود وليست انهارا دولية ، مما يمنحها الحق في "الاستخدام الأمثل" لمواردها المائية دون الالتزام باتفاقيات دولية تضمن الحصص المائية للعراق وسوريا. اما ايران فقد أقامت سدوداً كثيرة على روافد نهر دجلة التي تغذي العراق (مثل نهر الزاب الصغير، الكارون، والكرخة)، وقامت بتحويل مسار بعضها، مما قلل بشكل كبير من كميات المياه التي كانت تصل إلى العراق عبر هذه الروافد. 2- العوامل المناخية والبيئية : اذ يعد العراق من أكثر دول العالم تأثراً بـ التغير المناخي، ومما فاقم من أزمة المياه في السنوات الاخيرة حدوث انخفاض غير مسبوق فيلا معدلات تساقط الامطار والثلوج في تركيا وايران (منابع النهرين) وكذلك داخل العراق ، مما ادى الى إلى نقص طبيعي في تغذية النهرين بالواردات المائية. كما ان ارتفاع درجات الحرارة في العالم وفي دول المنطقة بسبب تآكل طبقة الاوزون وزيادة التبخر من مسطحات الأنهار والمسطحات المائية (مثل البحيرات والسدود العراقية)، مما يهدر كميات كبيرة من المياه المخزونة ويؤدي بدوره في زيادة التصحر اذ ان الجفاف يؤدي إلى اتساع رقعة الأراضي المتصحرة، مما يزيد من الضغط على الموارد المائية المتبقية لأغراض الزراعة وري الأراضي. 3. العوامل الداخلية (سوء الإدارة وكفاءة الاستخدام) فعلى الرغم من أهمية العوامل الخارجية والمناخية، فإن سوء الإدارة داخل العراق قد ساهم في تفاقم الأزمة ، وتتمثل هذه العوامل في تدني كفاءة الري التقليدي مما يعمل هدر كميات من المياه اذ تقدر نسبة الفاقد قد تتجاوز 50 – 60% في بعض المناطق . فضلا عن تتدهور البنية التحتية فاغلب القنوات وشبكات الري قديمة وغير مُبطَّنة مما يجعلها تُفقد كميات هائلة من المياه بسبب التسرب والتبخر. واذا اضفنا ارتفاع نسبة تلوث مياه النهرين بسبب تصريف مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية والزراعية غير المعالجة، مما يقلل من صلاحية المياه للاستخدام البشري والزراعي . الا إن مستقبل الزراعة في العراق يتوقف بشكل حاسم على قدرته على التكيف مع هذا الواقع الجديد من خلال تبني إستراتيجية وطنية شاملة تركز على الإدارة الرشيدة للموارد المائية، وتطبيق التقنيات الزراعية الحديثة والموفرة للمياه. فللخروج من عنق الزجاجة، يجب على العراق تبني مجموعة متكاملة من الحلول العلمية والتكنولوجية والإدارية ، مثل تحديث أنظمة الري (الزراعة المائية) اذ ييُعد التحول من الري السطحي إلى أنظمة الري الحديثة خطوة لا غنى عنها، حيث تسعى وزارة الزراعة إلى تقليص استخدام المياه بنسبة كبيرة (تصل إلى 60% وفقاً لبعض الخطط) ، كذلك استخدان تقنية الري بالتنقيط (Drip Irrigation الذي يوصل المياه مباشرة وببطء إلى جذور النباتات عبر شبكة من الأنابيب المثقوبة ، مما يقلل من التبخر والجريان السطحي و يعد مثالياً للبساتين والخضروات ، كذلك فان الري بالرش (Sprinkler Irrigation) يعمل على ضخ المياه على هيئة قطرات تشبه المطر، ويقلل هذا من ضائعات المياه مقارنةً بالري السطحي واخيرا استخدام الزراعة المائية (Hydroponics) تعتمد على زراعة النباتات بدون تربة في محاليل مائية غنية بالمغذيات. هذه التقنية تستهلك كمية أقل بكثير من المياه ويمكن أن تزيد الإنتاجية على مدار العام، مما يقلل الاعتماد على الأنماط الموسمية وتطوير المحاصيل المقاومة للجفاف والملوحة .