يُعدّ الداء البطني (Celiac Disease) أحد أمراض المناعة الذاتية المزمنة التي تصيب الأمعاء الدقيقة، وينتج عن تفاعل غير طبيعي للجهاز المناعي تجاه بروتين الغلوتين الموجود في القمح والشعير والجاودار. يؤدي هذا التفاعل إلى التهاب وتلف الزغابات المعوية، مما يسبب سوء امتصاص المغذيات واضطرابات جهازية متعددة.
الأساس المناعي للداء البطني
ينشأ المرض نتيجة فقدان التحمل المناعي تجاه الغلوتين، حيث تتحلل بروتيناته إلى ببتيدات (خصوصًا الغليادين) ترتبط بإنزيم Transglutaminase-2 (tTG) داخل الأمعاء. هذا الارتباط يؤدي إلى:
تنشيط الخلايا التائية
إفراز سيتوكينات التهابية
تدمير الزغابات المعوية
ويرتبط المرض وراثيًا بجينات HLA-DQ2 وHLA-DQ8، مما يفسر القابلية العالية للإصابة لدى بعض الأفراد.
التغيرات الحيوكيميائية والمرضية
تشمل التغيرات الأساسية في الداء البطني:
ضمور الزغابات المعوية
فرط تنسج الخبايا (Crypt hyperplasia)
زيادة النفاذية المعوية
سوء امتصاص الحديد، الكالسيوم، الفولات، وفيتامين B12
ويؤدي ذلك إلى فقر الدم، هشاشة العظام، اضطرابات النمو، والتعب المزمن.
الأعراض السريرية
تتنوع الأعراض بين الهضمية وغير الهضمية، وتشمل:
الإسهال المزمن والانتفاخ
فقدان الوزن
فقر الدم
هشاشة العظام
الطفح الجلدي المميز (Dermatitis herpetiformis)
اضطرابات عصبية وهرمونية
وقد يكون المرض صامتًا لدى بعض المرضى، مما يزيد من صعوبة التشخيص.
التشخيص والمؤشرات الحيوية
يعتمد التشخيص على:
الأجسام المضادة لـ tTG-IgA
الأجسام المضادة لـ Endomysial antibodies (EMA)
قياس IgA الكلي
الخزعة المعوية لإثبات تلف الزغابات
وتُعد الأجسام المضادة لـ tTG من أكثر المؤشرات حساسية ونوعية.
العلاج والتدبير الغذائي
لا يوجد علاج دوائي شافٍ للداء البطني، ويعتمد العلاج الأساسي على:
الالتزام الصارم بحمية خالية من الغلوتين مدى الحياة
تعويض الفيتامينات والمعادن الناقصة
المتابعة الدورية للمؤشرات المناعية
ويؤدي الالتزام الغذائي إلى تحسن الزغابات المعوية واستعادة الامتصاص الطبيعي خلال أشهر.
المضاعفات المحتملة
في حال عدم الالتزام بالعلاج، قد تحدث مضاعفات خطيرة مثل:
هشاشة العظام
العقم
فقر الدم المزمن
زيادة خطر الأورام اللمفاوية المعوية
الخلاصة
يمثل الداء البطني نموذجًا واضحًا للتداخل بين العوامل الوراثية والمناعية والتغذوية. ويسهم الفهم العميق للآليات الحيوكيميائية والمناعية للمرض في التشخيص المبكر ومنع المضاعفات، ويؤكد على الدور المحوري للنظام الغذائي الخالي من الغلوتين في الحفاظ على صحة المريض وجودة حياته.
جامعة المستقبل الأولى على الجامعات العراقية الأهلية