تُعدّ الأمراض المناعية للكبد مجموعة من الاضطرابات المزمنة التي تنشأ نتيجة خلل في الجهاز المناعي يؤدي إلى مهاجمة خلايا الكبد أو القنوات الصفراوية باعتبارها أجسامًا غريبة. وتؤدي هذه الاستجابة المناعية غير الطبيعية إلى التهاب مزمن، وتلف نسيجي تدريجي، وقد تنتهي بتليّف الكبد أو فشله الوظيفي في حال عدم التشخيص والعلاج المبكر.
الأنواع الرئيسة للأمراض المناعية الكبدية
تشمل الأمراض المناعية للكبد ثلاثة كيانات رئيسة:
1. التهاب الكبد المناعي الذاتي (Autoimmune Hepatitis – AIH)
يتميز بحدوث التهاب كبدي مزمن نتيجة تنشيط الخلايا التائية وإنتاج أجسام مضادة ذاتية تستهدف الخلايا الكبدية. يُشاهد غالبًا لدى الإناث، ويرتبط بارتفاع:
إنزيمات الكبد (ALT، AST)
الغلوبولينات المناعية IgG
ومن أبرز الأجسام المضادة:
ANA
SMA
Anti-LKM-1
2. التشمع الصفراوي الأولي (Primary Biliary Cholangitis – PBC)
مرض مناعي مزمن يصيب القنوات الصفراوية الصغيرة داخل الكبد، ويؤدي إلى ركودة صفراوية وتلف كبدي تدريجي. يتميز بوجود:
الأجسام المضادة للميتوكوندريا (AMA)
ارتفاع الفوسفاتاز القلوية (ALP)
3. التهاب القنوات الصفراوية المتصلب الأولي (Primary Sclerosing Cholangitis – PSC)
مرض التهابي مزمن يصيب القنوات الصفراوية داخل وخارج الكبد، ويترافق غالبًا مع أمراض الأمعاء الالتهابية، خاصة التهاب القولون التقرحي.
الآليات المناعية والحيوكيميائية
تشترك هذه الأمراض بعدة مسارات مرضية، أهمها:
فقدان التحمل المناعي
تنشيط الخلايا التائية والبائية
زيادة السيتوكينات الالتهابية (TNF-α، IL-6)
الإجهاد التأكسدي وتراكم الجذور الحرة
تحفيز الخلايا النجمية الكبدية (Hepatic stellate cells) وتكوّن التليّف
وتؤدي هذه الآليات إلى اضطراب بنية الكبد وفقدان وظائفه الحيوية.
الأعراض السريرية
تتراوح الأعراض بين خفيفة وشديدة، وتشمل:
التعب المزمن
اليرقان
الحكة الجلدية (خصوصًا في PBC)
آلام في الربع العلوي الأيمن من البطن
تضخم الكبد والطحال
وقد تكون بعض الحالات لا عرضية وتُكتشف مصادفة بالفحوصات المختبرية.
التشخيص والمؤشرات الحيوية
يعتمد التشخيص على:
اختبارات وظائف الكبد (ALT، AST، ALP، Bilirubin)
الفحوصات المناعية المصلية (Autoantibodies)
التصوير الشعاعي (Ultrasound، MRCP)
الخزعة الكبدية عند الحاجة
العلاج والتدبير
يهدف العلاج إلى تثبيط الاستجابة المناعية وإبطاء تقدم المرض، ويشمل:
الكورتيكوستيرويدات
الأدوية المثبطة للمناعة (Azathioprine)
حمض الأورسوديوكسيكوليك (UDCA) في PBC
المتابعة الدورية لتقييم التليّف والمضاعفات
وفي الحالات المتقدمة قد يكون زرع الكبد الخيار العلاجي النهائي.
الخلاصة
تمثل الأمراض المناعية للكبد تحديًا تشخيصيًا وعلاجيًا مهمًا في الممارسة السريرية. ويسهم الفهم المتقدم للآليات المناعية والحيوية المرضية في الكشف المبكر عن المرض، والحد من تطوره، والحفاظ على وظائف الكبد. كما يبرز دور الكيمياء الحياتية في تفسير التغيرات الجزيئية التي تقود إلى الالتهاب والتليّف الكبدي.
جامعة المستقبل الأولى على الجامعات العراقية الأهلية