Share :          
  31

يُعدّ تحرير الجينوم (Genome Editing) وتقنية CRISPR-Cas9 نقلة نوعية في علوم الحياة، إذ يمنحان العلماء القدرة على تعديل المادة الوراثية للكائنات الحية من خلال إضافة أو حذف أو تغيير تسلسلات الحمض النووي (DNA) في مواقع محددة بدقة عالية. ومن بين هذه التقنيات، برز نظام CRISPR-Cas9 كأداة أحدثت ضجة كبيرة في الأوساط العلمية نظرًا لتفوقها من حيث السرعة، وانخفاض التكلفة، والدقة العالية مقارنة بالطرق التقليدية السابقة. ترجع أصول هذه التقنية إلى نظام دفاعي طبيعي تستخدمه البكتيريا لمقاومة الهجمات الفيروسية؛ فعند إصابتها، تقوم البكتيريا بقطع أجزاء صغيرة من الحمض النووي للفيروس ودمجها في مادتها الوراثية ضمن ما يُعرف بـ “مصفوفات CRISPR”، مما يمنحها ذاكرة وراثية تساعدها على التعرف على الفيروس في حال هاجمها مرة أخرى. عند ذلك، تنتج البكتيريا جزيئات RNA توجه إنزيم Cas9 لقطع وتعطيل الحمض النووي الفيروسي. وقد نجح الباحثون في توظيف هذا النظام الدفاعي من خلال تصميم جزيء RNA موجه اصطناعي يرتبط بتسلسل جيني محدد داخل الخلية، ليقود إنزيم Cas9 إلى قطع الحمض النووي في الموقع المستهدف بدقة، تمامًا كما يحدث في البكتيريا. وبعد إحداث القطع، تستفيد هذه التقنية من آليات الإصلاح الطبيعية في الخلية لإضافة أو حذف المادة الوراثية أو استبدال أجزاء من الجينات بتسلسلات مصممة خصيصًا. تفتح هذه القدرة آفاقًا واسعة في المجال الطبي الحيوي، حيث تُستخدم هذه التقنية حاليًا في النماذج الحيوانية والمختبرية لفهم آليات الأمراض، كما تُجرى أبحاث سريرية مكثفة لعلاج أمراض ناتجة عن خلل في جين واحد مثل التليف الكيسي، والهيموفيليا، وفقر الدم المنجلي، بالإضافة إلى تطبيقات محتملة لمكافحة أمراض معقدة مثل السرطان، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وفيروس نقص المناعة البشرية (HIV). ورغم هذه الآفاق الواعدة، تبرز تحديات أخلاقية وقانونية كبيرة، خاصة فيما يتعلق باستخدام تقنيات تعديل الجينات لتغيير الجينوم البشري. ففي حين تقتصر معظم التعديلات الحالية على الخلايا الجسدية غير القابلة للانتقال إلى الأجيال القادمة، فإن أي تعديل في الخلايا الجنسية أو الأجنة يثير مخاوف عميقة بشأن إمكانية انتقال هذه التغييرات وراثيًا، وما قد يترتب على ذلك من محاولات تحسين صفات بشرية مثل الطول أو الذكاء. ونظرًا لهذه المخاوف المتعلقة بالسلامة والأخلاقيات، فإن تعديل الجينات في الأجنة والخلايا الجنسية لا يزال محظورًا قانونيًا في الولايات المتحدة والعديد من الدول الأخرى، وذلك إلى حين إجراء مزيد من الدراسات لضمان أمان وفعالية هذه التقنية الثورية. المصدر: https://medlineplus.gov/genetics/understanding/genomicresearch/genomeediting/