اعداد/ د. وليد جاسم الزبيدي- كلية طب الأسنان/ جامعة المستقبل.
-المقدمة/ عُنيَ في كتب التراث العربي الإشارة الى الأطباء والمشتغلين بالطبابة والعناية بالأسنان، فاعتبروها جزءاً أساسياً من الصحة العامة. ومؤشراً على جودة الهضم وصحة البدن، وتجلّت معرفة الأطباء الدقيقة في التشريح ووصف أمراض وعلاج الأسنان، مما شكّلَ ركيزةً أساسيةً في علم طب الأسنان.
-تشريح ووظائف الأسنان/ وصف الأطباء الأوائل الأسنان وعددها ووظائفها بمعرفة تشريحية عميقة وهذا ما نجده مذكوراً في (كتاب القانون في الطب- أبو علي الحسين بن سينا المتوفّى سنة 428هـ/ 1037م) الجزء الأول في الفصل العاشر من الكتاب بعنوان (في العظام)، حيث يصفُ (ابن سينا) الأسنان بأنها عظام بارزة، لفعل المضغ، ويحدّد عددها في الإنسان البالغ (32) سنّاً، موزّعةً على (16) في كلّ فك.كما يميّزُ بين أنواعها (الثنايا) وهي القواطع لقطع الطعام،و الأنياب لتمزيقه، و الأضراس (الطواحن) لطحنه، ويشيرُ في تركيبها الداخلي، ذاكراً وجود (العصب) – اللب- بداخلها، مما يفسّر الشعور بالألم فيها عند اصابتها.
-أمراض الأسنان / في كتاب (التصريف لمن عجزَ عن التأليف) الجزء الثلاثون –المقالة التاسعة والعشرون، لمؤلفهِ( أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي المتوفّى سنة 404هـ/ 1013م) ، في عمل الأسنان واللثة وما يحدث فيها من العلل، حيث يحصر (الزهراوي) أسباب وجع السن من العصب أو من اللثة ويسميها (فساد المادة)، وهناك أسباب تدعى (ميكانيكية) مثل وجود تجويف (نخر) أو صدع في السن. وأسباب حرارية من تناول الأطعمة والمشروبات الباردة أو الساخنة جدا. وأسباب تابعة أخرى مثل (الصداع) أو عسر الهضم . مما يدل على نظرتهم الشمولية للجسد.
-علاجات تقليدية وجراحية: في كتاب (منهاج البيان فيما يستعمله الإسنان) وهو كتاب في الأدوية والأغذية المفردة، لإبن جزلة، يحيى بن عيسى (المتوفّى سنة 493هـ)، امتلك الأطباء في تراثنا العربي ترسانة علاجية متنوعة بدءاً من الوقاية ووصولاً الى الجراحة المعقدة.
1- الوقاية والنظافة: يوصي (ابن جزلة) باستخدام (السواك) من شجر (الآراك) بشكل منتظم لتقوية اللثة وازالة فضلات الطعام وتبييض الأسنان.
2- العلاج الدوائي (الحشوات ومسكنات الألم): حيث يقول العالم (أبو بكر محمد بن زكريا الرازي المتوفّى سنة 313هـ) في كتابه (الحاوي في الطب) ، يذكرُ الرازي ، وصايا لعلاج (النخر) باستخدام مواد حشو مثل (المستيكي) وهو صمغ شجر البطم ممزوجاً بمواد أخرى لسد الفراغ وحماية العصب، كما يصف مسكنات للألم ( الأفيون، والحنظل).
3-العلاج الجراحي (قلع الأسنان وتبييضها): ففي كتاب (التصريف لمن عجز عن التأليف) للزهاوي في المقالة 29 من كتابه، يصفُ بالتفصيل أدوات قلع الأسنان المختلفة مصوراً اياها في رسومات ويشرح طريقة القلع اصحيحة لتجنب كسر جذر السن أو اصابة الفك كما يقدّم طرقاً (لتطبيع الأسنان) أي تقويمها، اذا كانت معوجة باستخدام خيط من الذهب أو الفضة، ويذكر وصفات لتلميع الأسنان وإزالة الصفرة منها باستخدام الملح والرماد.
وينظر حكماء الأسنان الى الأسنان أنها مرآة الصحة ، وهي ليست جزءاً منعزلاً من أعضاء الجسد، ويقول المؤرخ العربي (ابن الجوزي المتوفّى سنة 260 هـ) في كتابه (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم) يتحدّثُ عن قصة الطبيب (حُنين بن اسحاق المتوفّى سنة 260 هـ)، أن الطبيب (ابن اسحاق) كان ينظر الى أسنان المريض ليعرف قوة هضمه وصحة معدته، فكان يرى سلامة الأسنان وقوتها دليل على قوة المعدة وضعفها، وتسوسها يكون انعكاساً لخلل في الجهاز الهضمي .
الخاتمة/ لم تكن الأسنان في نظر أطباء وحكماء التراث العربي مجرد قطع عظمية بارزة لتناول الطعام فحسب، بل نافذة على صحة البدن كله، ومرآة لعملية الهضم، وموضعاً للعناية والجمال. لقد قدّم لنا التراث إرثاً علمياً مبهراً جمعَ بين دقة الملاحظة التشريحية وتحليل أسباب الأمراض وروعة الابتكار، في العلاج والجراحة وسبق الزمن بأدواته المصممة بدقة.
إن النظر الى هذه الانجازات في تراثنا ليست مجرد صور من الماضي بل هو احياء لروحٍ منهجيةٍ قامت على الملاحظة والتجربة والدقة . وربطت بين مختل جوانب العلم . لقد وضع علماؤنا الأوائل اللبنات الأولى لطب الأسنان الحديث. لقد وظّفن حضارتنا معرفة القديمة وطوّرتها لتترك لنا أثراً وتراثاً لا ينضب، يساهمُ في رقي وتقدم الانسانية جمعاء,
جامعة المستقبل الجامعة الأولى في العراق .