بقلم م. عبد المهدي رحيم حمزه
تُمثل مبادرة الحزام والطريق الصينية (Belt and Road Initiative - BRI)، التي أُطلقت في عام 2013، مشروعاً استراتيجياً عملاقاً يهدف إلى ربط آسيا وأوروبا وأفريقيا عبر شبكة واسعة من الطرق البرية والبحرية، مما يعيد إحياء طريق الحرير التاريخي. يحتل العراق موقعاً جيوستراتيجياً فريداً كجسر محتمل يربط الشرق بالغرب، ومصدر رئيسي للطاقة للصين، مما يجعل تفاعله مع هذه المبادرة محوراً ذا أهمية قصوى على مستقبله الاقتصادي.الفرص الاقتصادية الرئيسية للعراقتوفر مشاركة العراق في مبادرة الحزام والطريق مجموعة من الفرص الاقتصادية الحيوية، أبرزها:1. الاستثمار في البنية التحتية وإعادة الإعمارالعراق، الذي يمر بمرحلة إعادة إعمار واسعة، أصبح من أكبر متلقي الاستثمارات الصينية ضمن المبادرة، حيث تلقت مشاريع البنية التحتية فيه استثمارات بمليارات الدولارات. تركز هذه الاستثمارات على قطاعات حيوية مثل:الطاقة والكهرباء: بناء محطات طاقة ومنشآت نفطية وغازية، مما يساعد في معالجة أزمة الكهرباء المزمنة. يعد العراق ثالث أكبر شريك في مبادرة الحزام والطريق من حيث مشاركة الطاقة.النقل والاتصالات: بناء الطرق والسكك الحديدية والموانئ (مثل تطوير ميناء الفاو الكبير)، وهي مشاريع ضرورية لتعزيز الربط الداخلي والخارجي للبلاد.المشاريع التنموية: بناء المدارس والمستشفيات، مما يسهم في تحسين الخدمات الأساسية.2. تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفطيعتمد الاقتصاد العراقي بشكل شبه كامل على إيرادات النفط. توفر مبادرة الحزام والطريق فرصة استراتيجية لتنويع مصادر الدخل من خلال:التحول إلى ممر تجاري (ترانزيت): يمكن لمشاريع الربط الصينية أن تعزز دور العراق كطريق عبور تجاري بين الشرق والغرب (آسيا وأوروبا)، خاصة في ظل مشروع "طريق التنمية" العراقي، والذي يمكن أن يكون مكملاً لمبادرة الحزام والطريق. هذا يحقق عوائد اقتصادية من الرسوم والخدمات اللوجستية.إنشاء مناطق اقتصادية حرة: تتيح المبادرة إمكانية إنشاء مناطق صناعية وتجارية حرة، مما يجذب الاستثمار الأجنبي المباشر وينشط القطاع الصناعي والخدمي المحلي.3. تعزيز العلاقات التجارية والماليةتُعتبر الصين أكبر شريك تجاري للعراق ومستورد رئيسي لنفطه. تعمق المبادرة هذه الشراكة من خلال:ضمان تدفق النفط: تضمن المبادرة تدفقاً ثابتاً ومضموناً للنفط العراقي إلى الصين (التي تعد العراق ثالث أكبر مورد لها)، مما يوفر استقراراً مالياً للحكومة.تسهيل التجارة والاستثمار: تهدف المبادرة إلى إزالة الحواجز التجارية وتسهيل الاستثمار الأجنبي، مما يعزز التبادل التجاري في مختلف السلع غير النفطية.التحديات والمخاطر الاقتصاديةلا تخلو المشاركة في مبادرة عالمية بهذا الحجم من التحديات والمخاطر التي يجب على العراق إدارتها بحكمة:1. هيمنة قطاع الطاقةعلى الرغم من الاستثمارات الكبيرة، إلا أن النظرة الصينية للعراق لا تزال تركز بشكل أساسي على كونه مصدر للنفط وعنصر لأمن الطاقة الصيني، وليس بالضرورة كمكون حيوي للاتصال اللوجستي في مسارات المبادرة الرئيسية. هذا التركيز قد يُبقي العراق رهينة لتقلبات سوق النفط ويحد من الاستفادة الكاملة من إمكانياته كمركز تجاري.2. التحديات السياسية والجيوستراتيجيةواجهت اتفاقية "النفط مقابل البناء" مع الصين تحديات وتعطيلاً في التنفيذ نتيجة عوامل داخلية وإقليمية. يواجه العراق ضغوطاً جيوستراتيجية كبيرة، خاصة من قوى دولية أخرى (مثل الولايات المتحدة)، مما يؤثر على قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات كبرى في السياسة الخارجية والاقتصادية تتعلق بهذه المبادرة.3. التحديات الداخلية والحوكمةتشمل التحديات الداخلية الرئيسية التي قد تعرقل الاستفادة من المبادرة ما يلي:الفساد وعدم الاستقرار: بيئة الاستثمار في العراق لا تزال تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالفساد وعدم الاستقرار السياسي والأمني، مما يزيد من مخاطر المشاريع ويؤثر على كفاءة تنفيذها.مخاطر الديون: قد تؤدي المشاريع الكبيرة التي تُمول بقروض صينية إلى تراكم الديون على المدى الطويل إذا لم يتم اختيار المشاريع بناءً على جدوى اقتصادية واضحة وقدرة على توليد العوائد.البيروقراطية: ضعف الأطر القانونية والإدارية والبيروقراطية المفرطة قد تعرقل تسريع تنفيذ المشاريع الحيوية.جملة القول :تُمثل مبادرة الحزام والطريق فرصة استراتيجية كبيرة للاقتصاد العراقي للنهوض بالبنية التحتية المتدهورة والشروع في عملية تنويع اقتصادي طال انتظارها. ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الانعكاسات الإيجابية يتطلب من الحكومة العراقية اتباع استراتيجية مفاوضات ثنائية مركزة تستغل الموقع الجيوستراتيجي وموارد الطاقة بشكل فعال مقابل إعادة الإعمار والتنمية الشاملة. كما يجب على العراق أن يوازن بين شراكته مع الصين وشراكاته الدولية الأخرى، وأن يعمل بجد على إصلاح بيئته الاستثمارية وتعزيز الحوكمة لضمان تحويل الفرص الكامنة إلى مكاسب اقتصادية مستدامة، بعيداً عن كونه مجرد مورد للطاقة أو نقطة في صراع النفوذ الدولي. جامعة المستقبل الاولى على الجامعات الأهليه