أصبح تقاطع المساواة بين الجنسين وتغير المناخ بُعدًا محوريًا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة. فالنساء يتأثرن بشكل غير متكافئ بالتدهور البيئي والكوارث المناخية، إلا أن معارفهنّ وأدوارهن القيادية ومشاركتهن النشطة تُعد عناصر أساسية في بناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود. تهدف هذه الدراسة إلى مناقشة دور تمكين المرأة كمحدد مناخي ضمن سياسات التنمية المستدامة العالمية، مع التركيز على التحديات الراهنة والفرص المتاحة والاستراتيجيات المقترحة لتعزيز إدماج البُعد الجندري في السياسات المناخية.
1. المقدمة
تعترف سياسات التنمية المستدامة بشكل متزايد بالطبيعة المتعددة الأبعاد لتغير المناخ، والتي تشمل الجوانب البيئية والاجتماعية والاقتصادية. ويُعد النوع الاجتماعي بُعدًا حاسمًا في هذا السياق؛ فالنساء أكثر عرضة للتأثر بالمخاطر المناخية بسبب عدم المساواة البنيوية، وفي الوقت ذاته يمثلن عوامل تغيير رئيسية من خلال أدوارهن في الزراعة، وإدارة الموارد، والقيادة المجتمعية (UN Women, 2023). ومن ثم، فإن النظر إلى تمكين المرأة كمحدد مناخي يتيح مقاربة شاملة وأكثر عدلاً في مجال الاستدامة.
2. الأبعاد الجندرية لتغير المناخ
2.1 الهشاشة والتأثيرات غير المتكافئة
تشير الدراسات إلى أن النساء، وخاصة في البلدان النامية، يتحملن أعباء أكبر جراء آثار التغير المناخي مثل انعدام الأمن الغذائي وشح المياه والمخاطر الصحية (Dasgupta et al., 2024). فالنساء الحوامل أكثر عرضة للإجهاد الحراري والأمراض المعدية، بينما تواجه النساء الريفيات أعباء إضافية تتمثل في قطع مسافات أطول لجمع المياه والحطب خلال فترات الجفاف (WHO, 2024).
2.2 عدم المساواة البنيوية
تقيّد محدودية وصول المرأة إلى الأرض والموارد المالية وصنع القرار من قدرتها على المساهمة في استراتيجيات التخفيف والتكيف. كما أن ضعف تمثيلها في المفاوضات المناخية والهيئات الحاكمة يظل عقبة رئيسية أمام تحقيق سياسات شاملة (Mavroidi et al., 2023).
3. المرأة كفاعلة في العمل المناخي
3.1 إدارة الموارد والزراعة
تشكل النساء نسبة كبيرة من القوى العاملة الزراعية في الدول النامية، ويمتلكن معارف تقليدية مهمة في مجالات التكيف مثل تنويع المحاصيل والحفاظ على التربة. وقد أظهرت الدراسات أن مشاركتهن في الأنظمة الزراعية المستدامة تعزز من مرونة الأسر والمجتمعات (Liu et al., 2022).
3.2 القيادة المحلية والمبادرات المجتمعية
تُظهر المبادرات النسائية المحلية، مثل التعاونيات الخاصة بالطاقة المتجددة ومشاريع إدارة النفايات، نماذج مبتكرة للتكيف مع المناخ والحد من الانبعاثات، ما يعكس أهمية الدور القيادي للنساء في المجتمعات (Štefánek et al., 2022).
3.3 المشاركة السياسية
أظهرت الأبحاث أن تمثيل النساء في المجالس المحلية يرتبط بتحسين الأداء البيئي، مثل تعزيز إدارة النفايات وزيادة الاستثمارات في برامج الاستدامة (Gagliarducci & Paserman, 2024).
4. التحديات أمام تمكين المرأة
رغم التقدم في الأطر الدولية، ما زالت هناك عقبات متعددة تعرقل مشاركة المرأة، ومنها الأعراف الثقافية المقيدة، والفقر، وضعف فرص التعليم، إضافة إلى غياب الدعم المؤسسي الكافي. كما أن نقص البيانات المصنفة حسب النوع الاجتماعي يمثل عائقًا أمام وضع سياسات قائمة على الأدلة (Frontiers in Climate, 2023).
5. التوصيات والسياسات المقترحة
إدماج النوع الاجتماعي في جميع السياسات المناخية والتنموية.
بناء القدرات والتعليم من خلال تدريب النساء والفتيات على التقنيات البيئية والرقمية.
الإصلاحات القانونية والاقتصادية لضمان حقوق المرأة في الأرض والموارد المالية.
هياكل حوكمة شاملة تضمن تمثيلًا عادلًا للنساء في المفاوضات والهيئات المناخية.
آليات متابعة ورصد حساسة للجندر لتقييم أثر السياسات المناخية على النساء.
6. الخاتمة
إن مشاركة المرأة وتمكينها ليست قضية ثانوية بل عنصر مركزي لتحقيق العدالة المناخية والتنمية المستدامة. فالمساواة الجندرية تُسهم في بناء سياسات أكثر فاعلية في التكيف مع آثار التغير المناخي والتخفيف من حدتها. لذلك، ينبغي أن تكون الاستراتيجيات المستقبلية أكثر تركيزًا على البيانات المصنفة حسب الجنس، والنهج التقاطعي، ودعم المبادرات النسائية في مواجهة التغير المناخي.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق
قسم تقنيات المختبرات الطبية الاول في التصنيف الوطني العراقي .