تمثّل هندسة تصميم المدن أحد أكثر الحقول المعرفية تعقيدًا وتداخلًا، لارتباطها المباشر بالإنسان والبيئة والمجتمع والاقتصاد في آنٍ واحد. فهي لا تقتصر على كونها عملية تخطيط عمراني أو تنظيمًا للفراغات، بل تُعد رؤية شمولية تنطلق من الخيال الإبداعي من جهة، وتستند إلى الإمكانات الواقعية والتنفيذية من جهة أخرى. ومن هذا المنطلق تنشأ جدلية مستمرة بين التصورات المستقبلية الطموحة التي يسعى المصمم إلى تحقيقها، والقيود التقنية والاقتصادية والاجتماعية التي يفرضها الواقع.
ينطلق الخيال في تصميم المدن بوصفه أداة فكرية أساسية تمكّن المصمم من استشراف المستقبل، وتخيّل أنماط معيشية أكثر كفاءة وإنسانية. إذ يسهم الخيال التصميمي في ابتكار حلول غير تقليدية للمشكلات الحضرية المعاصرة، مثل الاكتظاظ السكاني، وتدهور البيئة، وضعف البنية التحتية، كما يفتح آفاقًا لتصور مدن ذكية ومستدامة تراعي الاحتياجات النفسية والجسدية للإنسان. ويُعد هذا الخيال امتدادًا طبيعيًا للبعد الإبداعي في التصميم، حيث تتكامل الفنون والهندسة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية في صياغة ملامح المدينة المستقبلية.
غير أن هذا الخيال لا يمكن أن يبقى في إطار التنظير، بل ينبغي إخضاعه لمعادلة التنفيذ الواقعي. فهندسة تصميم المدن ترتكز على معطيات دقيقة تشمل الموقع الجغرافي، والموارد الطبيعية، والقدرات الاقتصادية، والتشريعات القانونية، والأنساق الاجتماعية السائدة، وهي عوامل تفرض حدودًا واضحة على إمكانية تحويل الرؤى الخيالية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ. وهنا يبرز دور الهندسة بوصفها حلقة وصل بين الفكرة المجردة والتطبيق العملي، من خلال ترجمة الخيال إلى مخططات واقعية قابلة للبناء والتنفيذ.
وتتمثل الإشكالية الأساسية في تصميم المدن في الفجوة التي قد تنشأ بين الرؤية التصميمية الطموحة والواقع التنفيذي، حيث تصطدم الكثير من الأفكار الإبداعية بمعوقات تتعلق بضعف التمويل، أو محدودية التكنولوجيا، أو غياب التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، مما يؤدي في بعض الأحيان إلى تشويه الفكرة الأصلية أو اختزالها في حلول جزئية. كما أن إغفال البعد الإنساني والاجتماعي في بعض المشاريع الحضرية قد ينتج مدنًا متطورة شكليًا لكنها تفتقر إلى الروح والوظيفة الاجتماعية.
تلعب هندسة تصميم المدن دورًا محوريًا في تحقيق التوازن بين الخيال والتنفيذ، من خلال اعتماد منهجيات تصميمية مرنة وقابلة للتكيّف مع المتغيرات. فالتصميم الحضري الناجح هو ذلك الذي يجمع بين الرؤية المستقبلية الواضحة ومراعاة الواقع الثقافي والاجتماعي للسكان. كما يسهم إدماج مبادئ الاستدامة في التصميم الحضري في تقليص الفجوة بين الطموح والواقع، عبر الاستخدام الكفوء للموارد، وتقليل الأثر البيئي، وتحقيق استمرارية عمرانية طويلة الأمد.
وقد أسهم التطور التكنولوجي في توفير أدوات حديثة قرّبت المسافة بين الخيال والتنفيذ، مثل النمذجة الرقمية، والمحاكاة الافتراضية، ونظم المعلومات الجغرافية، التي أتاحت للمصممين اختبار أفكارهم وتحليل آثارها قبل الشروع في التنفيذ، مما عزّز من دقة التصميم وقلّل من المخاطر المحتملة.
وفي ضوء ما تقدم، يمكن القول إن هندسة تصميم المدن تقوم على جدلية متواصلة بين الخيال والتنفيذ، إذ لا يمكن لأحدهما أن ينفصل عن الآخر. فالخيال يمنح التصميم بعده الإبداعي والإنساني، بينما يضمن التنفيذ تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس يخدم المجتمع. وتكمن قيمة التصميم الحضري المعاصر في قدرته على المواءمة بين هذين البعدين، بما يسهم في إنشاء مدن متوازنة تجمع بين الجمال والوظيفة، وبين الطموح والواقع، وبما ينسجم مع هدف التنمية المستدامة الحادي عشر (مدن ومجتمعات محلية مستدامة)، من خلال تعزيز التخطيط الحضري الشامل، وتحسين نوعية الحياة، وضمان مدن آمنة ومرنة وقابلة للاستدامة.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .